دعاتهم في الابتداء، فاستجاب له جماعة فسموا قرامطة وقرمطية، وكان هذا الرجل من أهل الكوفة، وكان يميل إلى الزهد، فصادفه أحد دعاة الباطنية في طريق وهو متوجه إلى القرية وبين يديه بقر يسوقها، فقال حمدان لذلك الراعي وهو لا يعرفه: أين مقصدك؟ فذكر قرية حمدان، فقال له: اركب بقرة من هذه لئلا تتعب، فقال: إني لم أؤمر بذلك، فقال: وكأنك لا تعمل إلا بأمر، قال: نعم. قال: وبأمر من تعمل؟ قال: بأمر مالكي ومالكك ومالك الدنيا والآخرة، فقال: ذلك إذن هو الله رب العالمين.
فقال: صدقت. قال له: فما غرضك في هذه القرية التي تقصدها؟ قال: أمرت أن أدعو أهلها من الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى، ومن الشقاء إلى السعادة، وأن أستنقذهم من ورطات الذل والفقر، وأُمَلِّكُهم ما يستغنون به عن الكد، فقال له حمدان: أنقذني أنقذك الله، وأَفِض عليَّ من العلم ما تحييني به، فما أشد احتياجي إلى مثل ما ذكرته!
فقال: ما أمرت أن أخرج السر المخزون إلى كل أحد إلا بعد الثقة به والعهد إليه. قال: اذكر عهدك فإني ملتزم له! فقال: أن تجعل لي وللإمام على نفسك عهد الله ﷿ وميثاقه ألَّا تخرج سر الإمام الذي ألقيه إليك، ولا تفش سري أيضًا.
فالتزم حمدان عهده، ثم اندفع الداعي في تعليمه فنون جهله حتى استغواه فاستجاب له، ثم انتدب للدعاء، وصار أصلًا من أصول هذه البدعة فسمي أتباعه القرامطة والقرمطية.
ثم لم يزل بنوه وأهله يتوارثون مكانه، وكان أشدهم بأسًا رجل يقال له أبو سعيد، ظهر في سنة ست وثمانين ومائتين، وقوي أمره، فقتل ما لا يحصى من المسلمين،