للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فأما متأخروهم فقد مالوا إلى الدُّنيا وجمع المال من أي وجه كان؛ إيثارًا للرَّاحة وحُبًّا للشهوات، فمنهم من يقدر على الكسب ولا يعمل، ويجلس في الرباط أو المسجد، ويعتمد على صدقات الناس وقلبه مُعلق بطرق الباب.

ومعلوم "أن الصدقة لا تحل لغني ولا لذي مِرَّة سَوِيّ" (١)، ولا يبالون من بعث إليهم، فربما بعث الظالم والمكّاس فلم يردوه، وقد وضعوا بينهم في ذلك كلماتٍ:

° منها: تسمية ذلك بالفتوح (٢).

° ومنها: إن رزقنا لابد أن يصل إلينا (٣).

° ومنها: إنه مِن الله، ولا يرد عليه ولا يشكر سواه (٤).

وهذا كله خلاف الشريعة وجهل بها! وعكس ما كان السلف الصالح عليه: فإن النبي قال: "الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما متشابهات، فمن تركها استبرأ لدينه" (٥)، وقد قاء أبو بكر الصديق من أكل الشبهة (٦)، وكان الصالحون لا يقبلون عطاءَ ظالم ولا من في ماله شبهة، وكثير من السلف لم يقبل صلة الإخوان؛ عفافًا وتنزهًا.


(١) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٨٥ رقم ١٦٣٤)، والترمذي (٣/ ٤٢ رقم ٦٥٢)، وأحمد (٢/ ١٦٤)، والحاكم (١/ ٤٠٧). قال الترمذي: حديث حسن. وسكت عنه الحاكم والذهبي.
(٢) انظر: كشف المشكل للمؤلّف (١/ ٥٠ - ٥١)، ومعنى الفتوح: هي كل ما يُفتح على العبد من الله تعالى، بعد ما كان مغلقًا عليه، من النعم الظاهرة والباطنة: كالأرزاق، والعلوم، والمعارف، والمكاشفات، وغير ذلك.
انظر: اصطلاحات الصوفية للقاشاني (ص ٧٦)، رشح الزلال له (ص ١١٩)، معجم الكلمات الصوفية للنقشبندي (ص ٦٢)، المعجم الصوفي د. الحفني (ص ١٨٩).
(٣) انظر: قوت القلوب للمكي (٢/ ٣٧٩، ٣٨١)، آداب المريدين للسهروردي (ص ٢٤، ٩٤).
(٤) انظر: قوت القلوب للمكي (٢/ ٣٨٥)، ومما جاء فيه قوله: (كان بعض العلماء يقول: لا تأكل إلا عند من يعلم أنك أكلت رزقك، ولا تشكر عليه إلا ربَّك". وانظر (ص ٣٨٦) منه، حيث ذكر قصة عجيبة عن شقيق البَلْخِي، تنبئ عن مدى جهلهم، بل وإساءتهم!
(٥) تقدم تخريجه (ص ٤٥٣).
(٦) أخرجه البخاري (٧/ ١٤٩ رقم ٣٨٤٢).

<<  <   >  >>