للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكذلك من قال: إنَّ هذا الغناءَ المطربَ المزعجَ للطباع المُحَرِّكَ لها إلى العشق وحُبِّ الدُّنيا لا يُؤْثِّر عندي ولا يَلْفِتُ قلبي إلى حبِّ الدنيا الموصوفة فيه!

فإنا نُكَذِّبُه؛ لموضع اشتراك الطِّباع ثم لو كان قلبه بالخوف من الله تعالى غائبًا عن الهوى لأحْضَرَ هذا المسموعُ الطبعَ وإنْ كانت قد طالتْ غَيْبَتُهُ في سفر الخوف، وأقبح القبيح البَهْرَجَة، ثم كيف تمرُّ البَهْرجَة على مَنْ يعلم السرَّ وأخفى.

ثم إنْ كان الأمرُ كما زعمَ هذا المتصوِّفُ فينبغي أن لا نبيحَه إلا لمن هذه صفته والقومُ قد أباحوهُ على الإطلاقِ للشَّابِّ المبتدئ، والصبيِّ الجاهل حتى قال أبو حامد الطوسي: إنَّ التشبيبَ بوصف الخدود، والأصداغ، وحسن القَدِّ والقامة، وسائر أوصاف النساء الصحيح أنَّه لا يحرم (١).

قال المصنف : قلت: فأمَّا من قال: إنِّي لا أسمعُ الغناء للدُّنيا، وإنَّما آخُذُ منه إشاراتٍ (٢). فهو مخطئ من وجهين:

أحدُهما: أن الطبعَ يسبقُ إلى مقصوده قبل أخذ الإشاراتِ فيكونُ كمن قال: إنِّي أنظرُ إلى المرأة المُسْتَحْسَنَةِ لأتفكَّرَ في الصنعة.

والثاني: أنَّه يَقِلُّ فيه وجود شيءٍ يُشَارُ به إلى الخالق.

وقد جلَّ الخالقُ أنْ يُقَالَ في حقِّه: إنَّه يعشق (٣) ويقع الهَيَمانُ به،


(١) انظر: الإحياء ٢/ ٢٨٢.
(٢) الإشارة: إخبار الغير عن المراد بغير عبارة اللسان وعند أهل التصوف: ما يخفى عن المتكلم كشْفه للطافة معناه وقال بعضهم: الإشارة تؤذن بحضور الغير وتكون مع القرب مع حضور الغير وتكون مع البعد.
انظر: اللمع ص ٤١٤ واصطلاح الصوفية ص ٥٣٩ ضمن رسائل ابن عربي وموسوعة مصطلحات التصوف ص ٦٢.
(٣) الألفاظ المجملة التي قد يفهم منها معنى فاسد كلفظ العشق إذا لم ترد في كلام الشارع لم نكن محتاجين إلى إطلاقها، وإن أريد به المحبة التامة؛ لأن الشرع لم يرد بهذا اللفظ، وفيه إبهام وإيهام فلا يطلق. انظر: =

<<  <   >  >>