للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

التَّوكل، ولا أخرجَ مَن أمَرَهُ أن يَتَداوى مِن التوكُّل.

وفي الصحيح من حديثِ عُثمانَ بن عفانَ : أن النبِيَّ رخَّصَ إذا اشتكَى المُحرِم عينَه أن يُضَمِّدَها بالصَّبر (١).

قال ابنُ جريرٍ الطبَري: وفي هذا الحديثِ دليلٌ على فسادِ ما يقولُهُ ذَوُو الغباوةِ مِن أهلِ التَّصوُّفِ، مِن أن التوكلَ لا يصحُّ لأحدٍ عالج عِلَّةً بهِ فِي جسده بِدواءٍ؛ إذ ذاكَ عِندهم طلبُ العافيةِ مِن غَير مَن بِيدِه العافِيةُ والضُّر والنَّفع.

وفي إطلاقِ النبي للمُحرِمِ علاجَ عَينَيهِ بالصبرِ لِدفعِ المكرور أدلُّ دليلٍ على أن مَعنى التوكُّلِ غيرُ ما قالهُ الذينَ ذكرنا قولَهُم، وأنَّ ذلكَ غيرُ مُخرِجٍ فاعلَهُ مِن الرِّضا بقضاء الله ﷿، كما أن مَن عرض له كَلِبُ الجوع لا يُخرِجه فزَعهُ إلى الغِذاءِ من التَّوكلِ والرضا بالقضاءِ، لأنَّ اللهَ تعالى لم يُنزِل داءً إلَّا أنزلَ له دواءً، إلَّا الموت (٢)، وجَعل أسبابًا لِدفعِ الأَدواءِ، كما جعل الأكلَ سببًا لدفع الجوعِ، وقد كان قادرًا أن يُحيِيَ خلقهُ بِغيرِ هذا، ولكنَّه خلقهم ذَوِي حاجةٍ، فلا يَندفع عنهم أذَى الجوعِ إلَّا بما جعلهُ سببًا لدَفْعهِ عنهم، فكذا الدَّاء العارض.


= داود رقم (٣٨٥٥) وابن ماجه رقم (٣٤٣٦) والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٤٢ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة ٤/ ٤٩: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وانظر ما تقدم ص ٦٤٨.
(١) أخرجه مسلم رقم (١٢٠٤) وأخرجه أبو داود رقم (١٨٣٨) والترمذي رقم (٩٥٢) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي ٥/ ١٤٣ والإمام أحمد بن حنبل ١/ ٥٩ و ٦٥ و ٦٩ وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ١٨٦ وابن أبي شيبة ٣/ ١٨٣ والبيهقي في الكبرى ٥/ ٦٢.
(٢) هذه إشارة لحديث مروي من طريق شبيب بن شيبة أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٥/ ٣١ والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٠١ وقال الألباني عنه في تخريج الحلال والحرام رقم (٢٩٢): وهذا إسناد حسن في الشواهد رجاله كلهم ثقات، غير شبيب هذا، هو صدوق يهم في الحديث كما قال الحافظ في التقريب.
وقال في الصحيحة رقم (١٦٥٠): والحديث بشواهده صحيح.

<<  <   >  >>