للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ومن باب الحقائق أن تقول مثلا: (احترم الناس يحترموك وتواضع لهم يرفعوك) فهذه قاعدة عامة وحقيقة مطلقة غير مقيدة بزمن، فمن احترم الناس احترموه، ومن تواضع لهم رفعوه.

وقد يكون فعل الأمر غير مطلوب حصوله، بل إنما يذكر للتحذير منه، وذلك كأن تقول: (تواضح للناس يحبوك واستعل عليهم يبغضوك) فانت لا تأمره بالاستعلاء على الناس، وإنما تحذره منه فتقول له: إذا استعليت على الناس أبغضوك، ونحوه أن تقول: (اكذب مرة تفقد ثقة الناس ولو صدقت بعدها ألف مرة)، فأنت لا تأمره بالكذب وإنما تحذره منه.

ونحوه أن تقول: (اعمل خيرا تلق خيرا، واعمل شرا تلق شرا) وأن تقول: (ازرع شوكا تجن شوكا) ومنه المثل المشهور (سمن كلبك يأكلك).

فأنت لا تأمره بعمل الشر، ولا بزرع الشوك وإنما أنت تحذره من مغبة فعل السوء، وهذا كله من باب الحقائق المطلقة غير المقيدة بزمن.

وقد يكون استعمال فعل الأمر في الدلالة على الحقيقة على نحو آخر، وذلك نحو ما روي في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأي رجلا مبيضا (١). يزول به السراب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (كن أبا خيثمة) فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري.

فقوله صلى الله عليه وسلم: (كن أبا خيثمة) ليس أمرا بأن يكون الشخص على غير حقيقة، بل أراد أن يكون هذا الشخص القادم هو من ذكر، أو وقع في روعه ذاك.

ونظير هذا أن تقول على جهة الحدس، أو التمنى، أو نحوهما (كن فلانا) أو (كن كذا وكذا) فتطلب أن يصدق حدسك أو متمناك وذلك كأن تسمع خشخشة شخص، أو حركة ويقع في نفسك أنه (محمود) مثلا، فتقول: (كن محمودا) فأنت لا تأمر الشخص أن يكون على غير حقيقته، وإنما تطلب أن يصدق حدسك وما وقر في نفسك.


(١) أي: لابس البياض

<<  <  ج: ص:  >  >>