للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فيقال لهم: لمَ أنكرتم أن يكون العالم حادثا بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه؟

فإن قالوا: فهذا يوجب أن يكون بين وجود الباري وبين المخلوقات زمان.

قلنا: الزمان مخلوق، وليس قبل الزمان زمان، ثم يقال لهم: هل كان الحق قادرا على أن يجعل سمك الفلك الأعلى أكثر مما هو بذراع أو أقل مما هو بذراع؟

فإن قالوا: لا يمكن.

فهو تعجيز، ولأن ما لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب يستغني عن علة.

وقد ستروا مذهبهم بأن قالوا: الله ﷿ صانع العالم، وهذا تَجوُّزٌ عندهم لا حقيقة؟ لأن الفاعل مريد لما يفعله، وعندهم أن العالم ظهر ضروريًّا لا أن الله فعله، ومن مذاهبهم أن العالم باق أبدًا كما لا بداية لوجوده ولا نهاية (١)، قالوا: لأنه معلول علة قديمة، فكان المعلول مع العلة (٢).

ومتى كان العالم ممكن الوجود لم يكن قديمًا ولا معلولًا (٣)، وقد قال جالينوس: لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في هذه المدة الطويلة (٤)، فيقال له: قد يَفْسُد الشيء بغتة لا بالذبول، ثم من أين له أنها لا تذبل؟ فإنها عندهم بمقدار الأرض مائة وسبعون مرة أو نحو ذلك، فلو نقص منها مقدار جبال لم يبن ذلك


(١) انظر: تهافت الفلاسفة للغزالي (ص ٨١)، بغية المرتاد (ص ٣٠٧)، درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٦٣).
(٢) انظر: تهافت الفلاسفة (ص ٨١)، تهافت التهافت لابن رشد (١/ ٢١٤).
(٣) ولهذا كان قول ابن سينا بأن ممكن الوجود يوصف بالقدم من أشنع المقالات التي خالف بها سلفه من الفلاسفة، ولم يسبقه إليها أحد منهم. انظر: درء التعارض (٣/ ٢٤٧).
(٤) قول جالينوس انظره بلفظه في تهافت الفلاسفة للغزالي (ص ٨٢)، تهافت التهافت لابن رشد (١/ ٢٥٥).

<<  <   >  >>