للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

مدائن السند، وجعل فيه صنمهم الأعظم الذي هو لصورة الهيولى الأكبر (١)، وهذه المدينة فتحت في أيام الحجاج، وأرادوا قلع الصنم فقيل لهم: إن تركتموه ولم تقلعوه جمعنا لكم ثلث ما يجتمع له من مال، فأمر عبد الملك بن مروان بتركه، فالهند تحج إليه من ألفي فرسخ، ولابد للحاج أن يحمل معه دراهم على قدر ما يمكنه من مائة إلى عشرة آلاف لا يكون أقل من هذا، ومن لم يحمل معه ذلك لم يتم حجه، فيلقيه في صندوق عظيم هناك ويطوفون بالصنم، فإذا ذهبوا قسم ذلك المال: فثلثه للمسلمين، وثلثه لعمارة المدينة وحصونها، وثلثه لسدنة الصنم ومصالحه (٢).

قال المصنف: قلت: انظر كيف تلاعب الشيطان بهم، وذهب بعقولهم فنحتوا بأيديهم ما عبدوه، وما أحسن ما عاب الحق ﷿ أصنامهم فقال: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٩٥]، فكانت الإشارة إلى العباد، أي أنتم تمشون وتبطشون وتبصرون وتسمعون، والأصنام عاجزة عن ذلك وهي جماد وهم حيوان، فكيف عبد التام الناقص؟!

قال المصنف: ولو تفكروا لعلموا أن الإله يصنع ولا يصنع، ويجمع وليس بمجموع، وتقوم الأشياء به ولا يقوم بها (٣)، وإنما ينبغي للإنسان أن يعبد من صنعه لا ما صنعه، وما خيل إليهم من أن الأصنام تشفع فخيال، ليس فيه شبهة يتعلق بها (٤).


(١) الهيولى الأكبر: هو هنا يعني: الفلك الأعلى وما يحويه من الأفلاك والكواكب، ويعبر عنه بطينة العالم.
انظر: مفاتيح العلوم (ص ١٥٨)، التعريفات للجرجاني (ص ٢٥٩)، التوقيف للمناوي (ص ٧٤٥)، الكليات لأبي البقاء (ص ٩٦٥).
(٢) لم أجد هذه القصة في شيء من كتب التواريخ وفتوح البلدان - سوى نقل ابن القيم لها في إغاثة اللهفان (٢/ ٣١٥ - ٣١٦) عن النهاوندي هذا - بالرغم من ذكرهم لفتح بلاد السند أيام الحجاج، وهي غريبة جدًا، وأنكر ما فيها أمر خليفة المسلمين آنذاك -وهو عبد الملك بن مروان- بترك ذلك الصنم" لأنه عمل مخالف للهدف الأساسي من الفتوحات، وهو إقامة التوحيد ونشره، وهدم مظاهر الشرك والكفر وعلى رأسها الأصنام التي تعبد من دون الله، فضلًا عن أخذ الأموال التي تجبى لتلك الأصنام والرضى بها.
(٣) زاد في "ت" في هذا الموضع: (فنسأل الله العافية ودوامها مما ابتلى هؤلاء).
(٤) سماهم الشهرستاني في الملل (٢/ ٦١٣): "الأكنواطرية" أي: عباد النار.

<<  <   >  >>