للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس وصياح الرجال والنساء وتمزيق الثياب، لما في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس طيبًا! ويشيرون بالطّيبة إلى ما لا يجوز (١).

• ومنهم من يجري في مثل تلك الحال التي شرحناها لكنه ينشد أشعار النوح على الموتى، ويصف ما جرى لهم في البلاء، ويذكر الغربة ومن مات غريبًا، فيكثر بكاء النساء، ويصير المكان كالمأتم، وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع (٢).

• ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه، فيلبس عليه إبليس: إنك من جملة الموصوفين بذلك؛ لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق.

وكَشْفُ هذا التلبيس: أن الوصف علم، والسلوك غير العلم.

• ومنهم من يتكلم بالظلمات والشطح (٣) الخارج عن الشرع، ويستشهد بأشعار العشق، وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على كلام فاسد، وكم منهم من يزوِّق عبارة لا معنى تحتها، وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل، وزليخا ويوسف (٤)، ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا، وتعرف المرأة حق زوجها، وتحفظ صلاتها، هيهات! هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم، ولهذا نفقت سلعتهم؛ لأن الحق ثقيل والباطل خفف.


(١) انظر: كتاب القصّاص والمذكرين (ص ٣٣٥ - ٣٣٦).
(٢) انظر: كتاب القصّاص والمذكرين (ص ٣٢٦).
(٣) الشَّطح: عرّفه الغزالي بقوله: (الشطح كلام يترجم به اللسان عن وجدٍ يفيض عن معدنه، مقرون بالدعوى، إلا أن يكون صاحبه محفوظًا) الإملاء في إشكالات الإحياء (ملحق بآخر الإحياء) (ص ١٦). وانظر: اصطلاح الصوفية لابن عربي (ص ٣).
(٤) انظر: كتاب القصّاص والمذكرين (ص ٣٢٥ - ٣٣٠).

<<  <   >  >>