للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وقدْ كانَ في الخائِفينَ مَن حَملهُ الخوفُ علَى شدة الذُّلِّ والحياءِ، فلَم يرفَع رأسَهُ إلى السَّماء، وليس هذا بفضِيلةٍ (١)؛ لأنَّه لا خشوعَ فوقَ خشوعِ رسول الله .

وفي صحيح مسلمٍ من حديثِ أبي مُوسَى قال: كانَ رسولُ اللهِ كثيرًا ما يرفعُ رأسَهُ إلى السَّماء (٢). وفي هذا الحديثِ دليل على استِحبابِ النَّظَر إلى السَّماءِ لأجْلِ الاعتبارِ بآياتِها، وقد قالَ الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ [ق: ٦] وقال: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١].

وفي هذا ردٌّ علَى المتصوِّفِين بأنَّ أحدَهُم يبقَى سِنينَ لا ينظُر إلى السَّماء وقد ضمَّ هؤلاءِ إلى ابتداعهِم الرمزَ إلى التَّشبِيه (٣)، ولو علِمُوا أن إطراقَهُم كَرَفعِهِم في بابِ


= أويس بكثير وقد قال النبي في الحديث الصحيح: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا ذلك العبد فمن سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة". صحيح مسلم رقم (٣٨٤). مع أن طلبه من أمته الدعاء ليس هو طلب حاجة من المخلوق بل هو تعليم لأمته ما ينتفعون به في دينهم وبسبب ذلك التعليم والعمل بما علمهم يعظم الله أجره؛ فإنا إذا صلينا عليه مرة صلى الله علينا عشرًا وإذا سألنا الله له الوسيلة حلت علينا شفاعته يوم القيامة.
وعلى هذا من قال لغيره من الناس: ادع لي أو لنا. وقصده أن ينتفع ذلك المأمور بالدعاء وينتفع هو أيضًا بأمره ويفعل ذلك المأمور به كما يأمره بسائر فعل الخير فهو مقتد بالنبى مؤتم به ليس هذا من السؤال المرجوح وأما إن لم يكن مقصوده إلا طلب حاجته لم يقصد نفع ذلك والإحسان إليه فهذا ليس من المقتدين بالرسول المؤتمين به في ذلك بل هذا هو من السؤال المرجوح الذي تركه إلى الرغبة إلى الله ورسوله أفضل من الرغبة إلى المخلوق وسؤاله. انظر: التوسل والوسيلة ص ١٣٤ والفتاوى ١/ ١٩٣ (٣٢٦) و ٢٧/ ٦٨.
(١) انظر في بعض الأمثلة على ذلك: نسيم الأرواح لأبي عبد الرحمن السلمي ضمن مجموع مؤلفاته ص ١٦٨ وأحاديث في ذم الكلام وأهله ٣/ ٧٧.
(٢) الحديث - كما ذكر المؤلف - أخرجه مسلم رقم (٢٥٣١)، وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٤/ ٣٩٩ وعبد بن حميد رقم (٥٣٩) وأبو يعلى ١٣/ ٢٦٠ والبزار ٨/ ١٠٤.
(٣) قد يكون مراد المؤلف بذلك زعمهم نفي العلو وأن الله حال في خلقه وقد يكون المراد - وهو الأقرب -: أن شبهوا الحياء من الله بالحياء من المخلوق في طأطأة الرأس له وعدم رفع النظر إليه.

<<  <   >  >>