للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

° ومن هذا الجنسِ إِخراجُهم الشمعَ في رمضانَ في الأتوارِ (١) طلبًا للسُّمعَةِ، ومساجِدُهم طوالَ السنةِ مظلمةٌ؛ لأنَّ إِخراجَهُم قليلًا مِن دُهْنٍ كلَّ ليلةٍ لا يؤثِّرُ من المدحِ ما يؤثِّرُ إخراج شمعةٍ في رمضانَ، ولقد كانَ إِغناءُ الفقراءِ بثمَنِ ما يوقدون من الشمعِ أَولى وربما خرجت الأضواء الكثيرة إلى السَّرف الممنوع منه، غير أن الرياء يعمل عمله.

وقد كان أحمد بن حنبل يخرج إلى المسجد وفي يده سراج فيضعها ويصلي (٢).

° ومنهُم مَن إِذا تصدَّقَ أَعطى الفقيرَ والناسُ يرَوْنَهُ، فيجمَعُ بينَ قصدِهِ مَدْحَهم، وبينَ إِذلالِ الفقيرِ.

° وفيهِم مَن يجعَلُ معهُ الدَّنانيرَ الخفافَ، فيكونُ في الدينارِ قيراطينِ ونحوُ ذلك، وربَّما كانت رديئةً، فيتصدقون بها بينَ الجمعِ مكشوفةً ليُقالَ: قد أَعطى فلانٌ دينارًا.

وبالعكسِ مِن هذا، كانَ جماعة من الصالحين يجعلونَ في القِرطاسِ الصغيرِ دينارًا ثقيلًا، يزيدُ وزنُه على دينارٍ، فربما كان وزنُه دينارًا ونصفًا، ويُسَلِّمونَه إِلى الفقيرِ في سرٍّ، فإِذا رأَى القرطاس صغيرًا ظنَّهُ قطعةً، فإِذا لمسَهُ وجدَ تدويرَ دينارٍ، ففَرِحَ، فإِذا فتَحُه ظنَّهُ قليلَ الوزنِ، فاِذا رآه ثقيلًا ظنَّهُ يُقارِبُ الدينارَ، فإِذا وَزَنَهُ فرآهُ زائدًا على الدِّينارِ اشتدّ فرحُهُ، فالثوابُ للمُعطي يتضاعَفُ عندَ كُلِّ مرتبةٍ.

° ومنهُم مَن يتصدَّقُ على الأجانِبِ، ويترُكُ برَّ الأقارِبِ، وهو أَولى.


(١) التَّوْرُ من الأواني: إناء معروف تذكره العرب تشرب فيه وقد يتوضَّأُ منه، والجمع أتوار. انظر: لسان العرب ٤/ ٩٦ والمصباح ص ٧٨.
(٢) ذكر نحو هذا عن الإمام أحمد الذهبي في السير ١١/ ٣٢٤ وابن مفلح في المقصد الأرشد ٢/ ٢٩٩.

<<  <   >  >>