للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

إلا هو- ما بقي في العسكر وعاء إلا ملأوه، وأكل القوم حتى شبعوا، وفضلت فضلة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاكٍ فيهما فيحجب عن الجنة) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظه ومعناه والحمد لله.

قال ابن عرفة: سمي جيش تبوك جيس العسرة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ندب الناس إلى الغزو في حمارة القيظ، فغلظ عليهم وعسر، وكان إبان إبتياع الثمرة، قال: وإنما ضرب المثل بجيش العسرة لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يغز قبله في عدد مثله. لأن أصحابه يوم بدر كانوا ثلثمائة وبضعة عشر، ويوم أحد سبعمائة، ويوم خيبر ألفًا وخمسماية، ويوم الفتح عشرة آلاف، ويوم حنين اثني عشر ألفًا، وكان جيشه في غزوة تبوك ثلاثين ألفًا وزيادة، وهي آخر مغازيه - صلى الله عليه وسلم -.

وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجب، وأقام بتبوك شعبان وأيامًا من رمضان، وبث سراياه وصالح أقوامًا على الجزية، وفي هذه الغزاة خلف عليًّا على المدينة فقال المنافقون: خلفه بغضًا له، فخرج خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - وأخبره فقال - عليه السلام - (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) وبين أن قعوده بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - يوازي في الأجر خروجه معه؛ لأن المدار على أمر الشارع.

وإنما قيل لها: غزوة تبوك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى قومًا من أصحابه يبوكون حسي تبوك، أي يدخلون فيه القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا) فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك" الحسين (بالكسر) ما تنشفه الأرض من الرمل فهذا صار إلى صلابة أمسكته، فتحفر عنه الرمل، فتستخرجه وهو الإحشاء قاله الجوهري" (١).

[٤ - الإخبار عن وجهة الجيش]

كان من نهجه عليه الصلاة والسلام أنه إذا أراد أن يغزو منطقة أو قومًا ورى عن المنطقة، أو عن القوم بأنه يريد آخرين، مثل أنه إذا كان يريد غزوة في الشمال سأل عن منطقة في الجنوب من أجل أن يخفي حركته وحركة الجيش الذي معه، ومن أجل أن لا يفوت على جيش المسلمين عنصر المفاجأة الذي يكون في كثير من الأحيان عنصرًا أساسيًّا من عناصر هزيمة القوم الذين يراد غزوهم، إلا أنه


(١) القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: ٨/ ٢٧٨.

<<  <   >  >>