للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وهذا يلزمه أن يكون له كيفية أيضًا وكمية، وذلك ينقض القول بالتوحيد، وقد استقر أن المائية لا تكون إلا لمن كان ذا جنس وله نظائر، فيحتاج أن يفرد منها ويبان عنها، والحق سبحانه ليس بذي جنسى ولا مثل له، ولا يجوز أن يوصف بأن ذاته متناهية لا على معنى أنه ذاهب في الجهات بلا نهاية، إنما المراد أنه ليس بجسم ولا جوهر (١) فتلزمه النهاية. قال النُّوبَخْتي: وقد حكى كثير من المتكلمين أن مقاتل


= ووجدت ابن المرتضى في البحر الزخار (١/ ٥٥ - ٥٦) ذكر أن النُّوبَخْتي حكى عن المعتزلة، والزيدية، وأكثر الخوارج، والمرجئة: أن الباري تعالى ليس بذي ماهية يختص بعلمها. وخالفهم: أبو الحسين، وضرار، وحفص، وقالوا: هو كذلك.
قلت: ما حُكي عن هشام، وأبي الحسين، وضرار، وحفص هو الحق وهو الصواب.
(١) من تلبيسات الجهمية أنهم إذا قالوا: إن الباري تعالى ليس بجسم، أوهموا الناس أنّه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق، وهذا المعنى صحيح، ولكن مقصودهم من ذلك أنه تعالى لا يُرى، ولا يتكلَّم بنفسه، ولا يقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك. وقد انخدع بهذه التلبيسات خلق كثير، حتى نقوا الصفات الثابتة لله ، بحجة استلزامها للجسمية، وهكذا في تسلسل أدّى إلى التعطيل المحض. ومن هذا القبيل ما قرّره المصنِّف -عفا الله عنَّا وعنه- هنا.
أما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتها، فإنه بدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ولا تكلّم أحدٌ من السّلف والأئمة بذلك، لا نفيًا ولا إثباتًا. كما أن لفظ "الجسم" من الألفاظ المجملة، ومنهج السَّلف هو التفصيل في الأمور المجملة، مع ترجيحهم عدم إطلاق الألفاظ والمصطلحات غير الواردة في الشرع. لذلك كان التفصيل في لفظ "الجسم" على النحو التالي:
- من قال إن الباري تعالى جسم:
هل المقصود من قولهم بأن الله تعالى "جسم" أنه مركَّب من الأجزاء كالذي كان متفرقًا فَرُكِّب؟ أو أنه بقبل التفريق؟ أو أنّه من جنس شيء من المخلوقات؟ فإن كان هذا هو المقصود، فلا شك في بطلان هذا القول من كل الوجوه.
أم هل المقصود من هذا اللفظ أنه تعالى موجود أو قائم بنفسه، أو أنه موصوف بالصفات، أو أنه يُرى في الآخرة، أو أنَّه يمكن رؤيته، أو أنه مباين للعالم، وهو تعالى فوقه، ونحو هذه المعاني الثابتة بالشرع والعقل؟ فهذه معان كلها صحيحة، ولكن إطلاق هذا اللفظ على هذا بدعة في الشرع: إذا اللفظ احتمل المعنى الحق والباطل لم يطلق، بل يجب أن يكون اللفظ مثبتًا للحق نافيًا للباطل.
- ومن قال إن الباري تعالى ليس بجسم: استُفْصل عن مقصوده: =

<<  <   >  >>