للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وفي الجملة فالدخول على السلاطين خطر عظيم؛ لأن النية قد تحسن في أول الدخول، ثم تتغير بإكرامهم وإنعامهم أو بالطمع فيهم، فلا يتماسك عن مداهنتهم وترك الإنكار عليهم.

وقد كان سفيان الثوري يقول: ما أخاف من إهانتهم لي، إنما أخاف من إكرامهم؛ فيميل قلبي إليهم (١).

وقد كان علماء السلف يبعدون عن الأمراء لما يظهر من جورهم، فيطلبهم الأمراء لحاجتهم إليهم في الفتاوى والولايات، فنشأ أقوام قويت رغبتهم في الدنيا، فتعلموا العلوم التي تصلح للأمراء وحملوها إليهم؛ لينالوا من دنياهم.

ويدلك على أنهم قصدوا بالعلوم الأمراء: أن الأمراء كانوا قديمًا يميلون إلى سماع الحجج في الأصول، فأظهر الناس علم الكلام، ثم مال بعض الأمراء إلى المناظرة في الفقه، فمال الناس إلى الجدل، ثم مال بعض الأمراء إلى المواعظ فمال خلق كثير من المتعلمين إليها، ولما كان جمهور العوام يميلون إلى القصص كَثُرَ القُصَّاصُ وقلَّ الفقهاءُ (٢).

• ومن تلبيس ابليس على الفقهاء: أن أحدهم يأكل من وقف المدرسة المبنية على المتشاغلين بالعلم، فيمكث فيها سنين ولا يتشاغل ويقنع بما قد عرف، أو ينتهي في العلم ولا يبقى له في الوقف حظ؛ لأنه إنما جعل لمن يتعلم إلا أن يكون ذلك الشخص معيدًا أو مدرسًا فإن شغله دائم.

• ومن ذلك: ما يحكى عن بعض الأحداث المتفقهة من الانبساط في المنهيات: فبعضهم يلبس الحرير ويتختم بالذهب، ويحال على المكس فيأخذ، إلى غير ذلك من المعاصي.


(١) أخرجه أبو نعيم في الحلية (٧/ ٤٠) بنحوه.
(٢) يُنظر: مشاكلة الناس لزمانهم لليعقوبي (ص ١٨ - ٣٥).

<<  <   >  >>