للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

واعْلَمْ أَنَّ للآدميِّ كسبًا هو اختيارُهُ، فعليهِ يقعُ الثوابُ والعقابُ، فإِذا خالَفَ بَان لنا أَنَّ اللهَ ﷿ قضى في السابقِ بأَنه يخالِف، وإِنَّما يعاقِبُهُ على خلافِهِ لا على قضائِهِ، ولهذا يُقْتَلُ القاتلُ، ولا يُعْتَذَرُ لهُ بالقدَرِ.

وإِنَّما ردَّهُم الرسولُ عن مُلاحظةِ القَدَرِ إِلى العَمَلِ؛ لأنَّ الأمرَ والنهيَ حالٌ ظاهرٌ، والمقدَّرُ مِن ذلك أَمرٌ باطنٌ، وليسَ لنا أَنْ نَتْرُكَ ما عَرَفْناهُ من التكليفِ لما لا نعلَمُهُ مِن المَقْضِىِّ.

وقولُهُ : "فكُلٌّ مُيَسَّرٌ": إِشارةٌ إِلى أَسبابِ القَدَرِ، فإِنَّهُ مَن قُضِيَ لهُ بالعلمِ يُسِّرَ لهُ طَلَبُهُ وحُبُّهُ وفَهْمُهُ، ومَن حُكِمَ لهُ بالجهْلِ نُزِعَ حُبُّ العلمِ مِن قلبِهِ، وكذلك مَنْ قضي له بولدٍ يُسِّرَ له النكاح، ومَن لم يُقْضَ لهُ لم يُيَسَّرْ لهُ.

الشُّبهَةُ الثانيةُ: أَنَّهُم قالوا: إِنَّ الله ﷿ مُسْتَغْنٍ عن أَعمالِنا، غيرُ متأَثِّرٍ بها معصيةً كانت أَو طاعة، فلا ينْبَغي أَن نُتْعِبَ أَنفسَنا في غيرِ فائدةٍ.

وجواب هذه الشبهة أَنْ نُجيبَ أَولًا بالجوابِ الأوَّلِ، ونقولَ: هذا ردٌّ على الشرعِ فيما أَمرَ بهِ، فكأَنَّا قُلنا للرسلِ أو للمُرْسِلِ: لا فائدةَ فيما أَمَرْتَنا بهِ!

ثم نتكلَّم على الشبهةِ، فنقول: مَن يتوهَّمُ أَنَّ الله جلَّ وعلا ينتَفعُ بطاعةٍ أو يستضرُّ بمعصيةٍ أَو يَنالُ بذلك غَرضًا فما عَرَفَ الله ؛ (١) لأنَّه مقَدَّسٌ عن الأغراضِ والأعراضِ (٢)، من انتفاعٍ أَو ضرَرٍ، وإِنَّما نَفْعُ الأعمالِ يَعودُ إلى أَنفُسِنا؛ كما


(١) كما أشار إلى ذلك الحديث القدسي فيما رواه أبو ذر عند الإمام مسلم رقم (٢٥٧٧).
(٢) الأغراض: جمع غرض، والغرض في اصطلاح علماء الكلام هو: ما لأجله يصدر الفعل من الفاعل وعند بعضهم: الغرض: هو الأمر الباعث للفاعل على الفعل وهو المحرك الأول وبه يصير الفاعل فاعلًا. ولما كان لفظ الغرض قد يوحي بأن الفاعل لغرض يعود عليه من ذلك الفعل منفعة وأنه يصير الفاعل بسببه فاعلًا بمعنى أنه ينتفع به فإن الأشاعرة منعوا أن يكون له تعالى الغرض في أفعاله. =

<<  <   >  >>