للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

دمشقَ، وكانَ مَوْلى لأبي الجُلَّاسِ، وكانَ لهُ أَبٌ بالغُوطَةِ تَعَرَّضَ لهُ إِبليسُ، وكانَ مُتَعَبِّدًا زاهِدًا، لو لبسَ جُبَّةً مِن ذهبٍ لرأَيْتَ عليهِ زهادةً، وكانَ إِذا أَخَذَ في التحميدِ لم يسمع السامِعونَ إِلى كلامٍ أَحسنَ مِن كلامِهِ.

قالَ: فكَتَبَ إِلى أَبيهِ: يا أَبتاهُ! أَعْجِلْ عليَّ فإِنِّي قد رأَيْتُ أَشياءَ أَتَخَوَّفُ أَنْ تكونَ الشَّيطان. قالَ: فزَادَهُ أَبوهُ غَيًّا، فكتبَ إِليهِ: يا بُنَيَّ أَقبِلْ على ما أُمِرْتَ بهِ، إِنَّ الله يقولُ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] ولستَ بأَفَاكٍ ولا أَثيمٍ، فامْضِ لما أُمِرْتَ بهِ.

وكانَ يَجيءُ إِلى أَهلِ المسجِدِ رجلًا رجلًا، فيذاكُرُهُم أَمْرَهُ، ويأْخُذُ عليهِم العهدَ والميثاقَ إِنْ هو رأَى ما يَرْضَى قَبِلَ، وإِلا كَتَمَ عليهِ.

وكانَ يُريهمُ الأعاجيبَ: كانَ يأْتي إِلى رُخامَةٍ في المسجِدِ، فيَنْقُرُها بيدِه، فتُسَبِّحُ، وكانَ يُطْعِمُهُم فاكهةَ الصيفِ في الشتاءِ، ويقولُ: اخْرُجوا حتى أُريكُمُ الملائكَةَ، فيُخْرِجُهُم إِلى دَيرِ المُرَّانِ، فيُريهم رجالًا على خَيْلٍ.

فتَبِعَهُ بَشَرٌ كثيرٌ، وفشا الأمْرُ، وكَثُرَ أَصحابُهُ، حتى وصَلَ الأمر إلى القاسمِ بن مُخَيْمِرَةَ، فقالَ لهُ: إِنِّي نبيٌّ. فقالَ القاسِمُ: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ اللهِ!

فقالَ لهُ أَبو إِدريسَ: بئسَ ما صَنَعْتَ إِذْ لم تَلِينَ لهُ حتى تأْخُذَهُ، الآنَ يَفِرُّ.

وقامَ مِن مَجْلِسِهِ حتى دَخَلَ على عبدِ الملكِ، فأَعْلَمَهُ بأَمْرِهِ، فبَعَثَ عبدُ الملكِ في طَلَبِهِ، فلم يقْدرْ عليهِ، وخَرَجَ عبدُ الملكِ حتى نزَلَ الصِنَّبْرة، فاتَّهَمَ عامَّةَ عسكرِهِ بالحارثِ أَنْ يكونوا يَرَوْنَ رأْيَهُ.

وخَرَجَ الحارثُ حتى أَتى بيتَ المقدِسِ، فاخْتَفى، وكانَ أَصحابُهُ يَخْرُجونَ يلتَمِسونَ الرجالَ، يُدْخلونَهُم عليهِ.

<<  <   >  >>