للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيرى الإمام أخذه أولى من قتله بما ظهر إليه في ذلك من النظر للمسلمين والاستعانة بما يأخذ منه على المشركين وما أشبه ذلك من وجوه الاجتهاد. هذا تحصيل القول في حكم الأسرى. وحكى الداروردي في كتاب الأموال أن أكثر أصحاب مالك يكرهون فداء الأسرى بالمال ويقولون إنما كان ذلك ببدر لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - علم أنه سيظهر عليهم وساق القصة في ذلك. قال وإنما يتفق على جواز فدائهم بأسرى المسلمين والذي ذكرته هو الصحيح.

[فصل]

ومن أهل العلم من جعل الآية الأولى ناسخة للآيتين الثانية والثالثة فقال: إن الأسير يقتل على كل حال ولا يجوز استحياؤه. وممن قال بذلك قتادة وجماعة من المفسرين. ومنهم من حمل قَوْله تَعَالَى في الآية الثانية {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: ٤] على الإلزام لا على التخيير، وجعلها ناسخة للآية الأولى في إيجاب القتل، وللآية الثانية فيما يقتضيه من التخيير فقال إن الأسير لا يقتل صبرا. وممن ذهب إلى هذا عبد الله بن عمر، والحسن، وعطاء. وهذا كله بعيد، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قتل وأسر فوقع فعله موقع البيان لما في القرآن، والله المستعان.

[فصل]

في الجزية

والجزية ما يؤخذ من أهل الكفر جزاء على تأمينهم وحقن دمائهم مع إقرارهم على كفرهم، وهي على وجهين: عنوية وصلحية. وأما الصلحية فلا حد لها إذ لا يجبرون عليها ولأنهم منعوا أنفسهم وأموالهم حتى صالحوا عليها فإنما هي على ما يراضيهم عليه الإمام من قليل أو كثير على أن يقروا في بلادهم على دينهم إذا كانوا بحيث تجري عليهم أحكام المسلمين وتؤخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون. كذا نص ابن حبيب في الواضحة. وعنده أن الجزية الصلحية لا حد لها إلا ما صولحوا عليه من قليل أو كثير، وهو كلام فيه نظر. والصحيح أنه لا حد لأقلها يلزم أهل الحرب الرضا به لأنهم مالكون لأمرهم، وأن لأقلها حدا إذا بذلوه لزم الإمام

<<  <  ج: ص:  >  >>