للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أَوْ مَا إذَا تَرَدَّدَ فِي بُطْلَانِ تَيَمُّمِهِ وَطَالَ التَّرَدُّدُ أَوْ مَضَى مَعَهُ رُكْنٌ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ مَلْحَظَ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ غَيْرُ مَلْحَظِ بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ وَانْدَفَعَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَا أَثَرَ لِظُهُورِ شَيْءٍ مِنْ الصَّحِيحِ فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ لِأَنَّهُ عَنْ الْعَلِيلِ وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّا لَمْ نَجْعَلْ هَذَا الظُّهُورَ سَبَبًا لِبُطْلَانِ التَّيَمُّمِ بَلْ لِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ وَمَلْحَظُهُمَا مُخْتَلِفٌ كَمَا تَقَرَّرَ، وَإِذَا تَحَقَّقَ الْبُرْءُ وَهُوَ عَلَى طَهَارَةٍ كَانَ كَوِجْدَانِ الْمُتَيَمِّمِ الْمَاءَ فِي تَفْصِيلِهِ الْآتِي وَلَوْ كَانَتْ لُصُوقًا تُنْزَعُ وَتُغَيَّرُ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ أَيَّامٍ فَحُكْمُهَا كَالْجَبِيرَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا أَفْتَى بِهِ السُّبْكِيُّ، وَفِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ بَلْ الْأَوْجَهُ خِلَافُهُ.

وَلَوْ كَانَتْ الْجَبِيرَةُ عَلَى عُضْوَيْنِ فَرَفَعَ إحْدَاهُمَا لَمْ يَلْزَمْهُ رَفْعُ الْأُخْرَى، بِخِلَافِ مَاسِحِ الْخُفِّ لَوْ نَزَعَ أَحَدَ خُفَّيْهِ لَزِمَهُ نَزْعُ الْآخَرِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَلْبَسَهُمَا جَمِيعًا وَهُنَا لَا يُشْتَرَطُ فِي الِابْتِدَاءِ أَنْ يَضَعَ الْجَبِيرَةَ عَلَيْهِمَا، وَلَوْ أَجْنَبَ صَاحِبُ الْجَبِيرَةِ اغْتَسَلَ وَتَيَمَّمَ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهَا، بِخِلَافِ الْخُفِّ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ فِي إيجَابِ النَّزْعِ هُنَا مَشَقَّةً.

ثُمَّ الْكَلَامُ فِي التَّيَمُّمِ يَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَطْرَافٍ: الْأَوَّلُ فِي أَسْبَابِهِ وَقَدْ مَرَّ الْكَلَامُ عَلَيْهَا، الثَّانِي فِي كَيْفِيَّتِهِ، الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِهِ.

وَقَدْ شَرَعَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الطَّرَفِ الثَّانِي فَقَالَ: فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ وَكَيْفِيَّتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي (يَتَيَمَّمُ بِكُلِّ تُرَابٍ) فَلَا يُجْزِئُ بِغَيْرِهِ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} [النساء: ٤٣] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: أَيْ تُرَابًا طَاهِرًا، وَلِخَبَرِ مُسْلِمٍ «جُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَالتُّرْبَةُ مِنْ أَسْمَاءِ التُّرَابِ، وَجَاءَ بِلَفْظِ التُّرَابِ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَصَحَّحَهَا أَبُو عَوَانَةَ «جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرَابُهَا طَهُورًا»

ــ

[حاشية الشبراملسي]

الصَّلَاةَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ لِكَوْنِ سُقُوطِ الْجَبِيرَةِ عَكْسَ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: وَكَذَا مَا بَعْدَهُ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ مَعَ وُجُوبِ غَسْلِ مَا ظَهَرَ (قَوْلُهُ: أَوْ مَا إذَا تَرَدَّدَ) عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ أَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ الصَّحِيحِ مَا لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إلَخْ (قَوْلُهُ: غَيْرُ مَلْحَظِ إلَخْ) وَهُوَ أَنَّ مَلْحَظَ بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ الْبُرْءُ مِنْ الْعِلَّةِ، وَمَلْحَظَ بُطْلَانِ الصَّلَاةِ ظُهُورُ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ مِنْ الصَّحِيحِ (قَوْلُهُ: فِي بُطْلَانِ التَّيَمُّمِ) أَيْ فَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (قَوْلُهُ: فِي تَفْصِيلِهِ الْآتِي) أَيْ فَيُقَالُ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِي صَلَاةٍ امْتَنَعَ الْإِحْرَامُ بِهَا أَوْ فِيهَا، فَإِنْ وَجَبَ قَضَاؤُهَا كَكَوْنِ السَّاتِرِ أَخَذَ زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ بَطَلَتْ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ كَكَوْنِ السَّاتِرِ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ الصَّحِيحِ شَيْئًا أَتَمَّهَا (قَوْلُهُ: الْأَوْجَهُ خِلَافُهُ) أَيْ مِنْ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ لَهَا حُكْمٌ مُسْتَقِلٌّ، فَعَلَى كَلَامِ السُّبْكِيّ تَغْيِيرُ اللُّصُوقِ لَا يُؤَثِّرُ فِي طَهَارَتِهِ السَّابِقَةِ، وَعَلَى كَلَامِ الشَّارِحِ يُؤَثِّرُ، فَيَجِبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ مَعَ مَا بَعْدَهُ وَلَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ عَلَيْهَا (قَوْلُهُ: وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَزْعُهَا) أَيْ ثُمَّ إنْ وُجِدَ سَبَبٌ لِلْقَضَاءِ كَكَوْنِهَا أَخَذْت زِيَادَةً عَلَى قَدْرِ الِاسْتِمْسَاكِ وَجَبَ وَإِلَّا فَلَا.

(قَوْلُهُ: عَلَى الطَّرَفِ الثَّانِي) أَيْ مُعَقِّبًا لَهُ بِالثَّالِثِ فَفِيهِ مُسَامَحَةٌ.

فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ

(قَوْلُهُ: وَكَيْفِيَّتُهُ) لَا يُقَالُ: الْأَرْكَانُ دَاخِلَةٌ فِي الْكَيْفِيَّةِ فَلَا وَجْهَ لِعَطْفِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَيْهَا.

لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ كَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِهَا بَيَانُ الْأَرْكَانِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ بَيَانِ الْكُلِّ بَيَانُ أَجْزَائِهِ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِيهِ، وَهُنَا تَبْيِينُ الْكَيْفِيَّةِ يَحْصُلُ بِأَنْ يُقَالَ: كَيْفِيَّتُهُ نَقْلُ التُّرَابِ مَعَ النِّيَّةِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَيُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ النَّقْلِ، لَكِنَّ بَعْضَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْكَيْفِيَّةُ سُنَنٌ وَبَعْضُهَا أَرْكَانٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَبْيِينِهَا كَمَا سَبَقَ تَمْيِيزُ السُّنَنِ عَنْ الْأَرْكَانِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ: وَغَيْرُ ذَلِكَ) كَالْقَضَاءِ (قَوْلُهُ: أَوْ مَا اتَّصَلَ بِهَا) كَالشَّجَرِ وَالزَّرْعِ (قَوْلُهُ: «لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» إلَخْ)

ــ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: أَوْ مَا إذَا تَرَدَّدَ) هَذَا تَصْوِيرٌ آخَرُ لِلْجَبِيرَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَصُورَةُ الْجَبِيرَةِ أَنَّهُ ظَهَرَ مِنْ الصَّحِيحِ مَا يَجِبُ غَسْلُهُ أَوْ مَا إذَا تَرَدَّدَ إلَخْ، إذْ لَيْسَ قَبْلَهُ مَا يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ فِي اللَّفْظِ. وَعِبَارَةُ الشِّهَابِ ابْنِ حَجَرٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ: وَلَوْ

<<  <  ج: ص:  >  >>