للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» وَيَجُوزُ فِيهِ الْإِتْمَامُ كَمَا صَحَّ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ " يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَأَفْطَرْتَ وَصُمْتُ ": أَيْ بِفَتْحِ التَّاءِ الْأُولَى وَضَمَّ الثَّانِيَةِ فِيهِمَا وَيَجُوزُ عَكْسُهُ، فَقَالَ: " أَحْسَنْت يَا عَائِشَةَ " وَأَمَّا خَبَرُ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ» أَيْ فِي السَّفَرِ فَمَعْنَاهُ لِمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَسَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَمْعِ. .

وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْأُمُورِ بَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِهِ فَقَالَ (إنَّمَا) (تُقْصَرُ رُبَاعِيَّةٌ) لَا صُبْحٌ وَمَغْرِبٌ بِالْإِجْمَاعِ وَأَمَّا خَبَرُ مُسْلِمٍ «فُرِضَتْ الصَّلَاةُ فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً» فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّيهَا فِيهِ مَعَ الْإِمَامِ وَيَنْفَرِدُ بِالْأُخْرَى، إذْ الصُّبْحُ لَوْ قَصُرَتْ لَمْ تَكُنْ شَفْعًا وَخَرَجَتْ عَنْ مَوْضُوعِهَا، وَالْمَغْرِبُ لَا يُمْكِنُ قَصْرُهَا إلَى رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا وِتْرًا وَلَا إلَى رَكْعَةٍ لِخُرُوجِهَا بِذَلِكَ عَنْ بَاقِي الصَّلَوَاتِ.

وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرُّبَاعِيَّةُ مَكْتُوبَةً مِنْ الْخَمْسِ فَلَا تُقْصَرُ مَنْذُورَةٌ وَلَا نَافِلَةٌ لِعَدَمِ وُرُودِهِ (مُؤَدَّاةٌ) وَفَائِتَةُ السَّفَرِ الْآتِيَةِ مُلْحَقَةٌ بِهَا فَلَا يُنَافِي الْحَضَرَ، أَوْ أَنَّهُ إضَافِيٌّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا تُقْصَرُ فَائِتَةُ الْحَضَرِ فِي السَّفَرِ كَمَا سَيَأْتِي (فِي السَّفَرِ الطَّوِيلِ) اتِّفَاقًا فِي الْأَمْنِ وَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي الْخَوْفِ

ــ

[حاشية الشبراملسي]

وَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ: عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ، فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: صَدَقَةٌ» إلَخْ.

(قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عَكْسُهُ) أَيْ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةُ، وَإِلَّا فَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ قَضِيَّةٍ وَقَعَتْ وَلَيْسَتْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأَمْرَيْنِ حَتَّى يَجُوزَ كُلٌّ، فَإِنْ كَانَ الْقَاصِرُ وَالْمُفْطِرُ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَعَيَّنَ فَتْحُ التَّاءِ فِي الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمَا أَوْ عَائِشَةُ تَعَيَّنَ الْعَكْسُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْقَصْرَ وَالْإِتْمَامَ وَقَعَا فِي يَوْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. وَعِبَارَةُ الْبَيْضَاوِيِّ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ وَيُؤَيِّدُهُ: أَيْ جَوَازُ الْقَصْرِ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَتَمَّ فِي السَّفَرِ» ، «وَأَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَصُمْتَ وَأَفْطَرْتُ، فَقَالَ: أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ» .

(قَوْلُهُ: وَلَمَّا كَانَ الْقَصْرُ أَهَمَّ) أَيْ مِنْ حَيْثُ إنَّ فِيهِ تَرْكَ بَعْضِ الصَّلَاةِ وَلِكَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ (قَوْلُهُ: لَا صُبْحَ وَمَغْرِبَ بِالْإِجْمَاعِ) نَعَمْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا جَوَازُ قَصْرِ الصُّبْحِ فِي الْخَوْفِ إلَى رَكْعَةٍ اهـ حَجّ. وَكَأَنَّهُ لِشُذُوذِهِ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ فِي مُخَالَفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَفِي حَجَرٍ أَيْضًا: وَعَمَّمَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَنْ تَبِعَهُ الْقَصْرَ إلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ فِي الصُّبْحِ وَغَيْرِهَا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ.

(قَوْلُهُ: وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الرَّبَاعِيَةُ مَكْتُوبَةً) الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَصْرُ الْمُعَادَةِ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمْ شَرْطُ الْقَصْرِ الْمَكْتُوبَةُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ الْمَكْتُوبَةُ وَلَوْ أَصَالَةً، وَلِهَذَا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ الْقَصْرُ مَعَ أَنَّهَا غَيْرُ مَكْتُوبَةٍ فِي حَقِّهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قِيلَ إنَّ الْفَرْضَ إحْدَاهُمَا، وَمِنْ ثَمَّ وَجَبَتْ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فَلَيْسَتْ نَفْلًا مَحْضًا مُبْتَدَأً حَتَّى يَمْتَنِعَ الْقَصْرُ، وَلَهُ إعَادَتُهَا تَامَّةً: أَيْ إنْ صَلَّاهَا مَقْصُورَةً، وَلَوْ صَلَّاهَا تَامَّةً يَنْبَغِي أَنْ يَمْتَنِعَ إعَادَتُهَا مَقْصُورَةً م ر اهـ سم عَلَى مَنْهَجٍ: أَيْ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِتْمَامَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالْإِعَادَةَ فِعْلُ الشَّيْءِ ثَانِيًا بِصِفَتِهِ الْأُولَى، وَكَانَ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إذَا قَصَرَ الْأُولَى لَا يُعِيدُهَا إلَّا مَقْصُورَةً، لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْإِتْمَامُ هُوَ الْأَصْلُ جَازَ إعَادَتُهَا تَامَّةً، وَيَنْبَغِي أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُعِدْهَا لِخَلَلٍ فِي الْأُولَى

ــ

[حاشية الرشيدي]

قَوْلُهُ: وَيَجُوزُ عَكْسُهُ) يُتَوَقَّفُ فِيهِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِهَذَا التَّجْوِيزِ مَعَ أَنَّ الضَّبْطَ تَابِعٌ لِلْوَاقِعِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَصَرَ وَأَتَمَّتْ وَأَفْطَرَ وَصَامَتْ تَعَيَّنَ فَتْحُ الْأَوَّلَيْنِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ تَعَيَّنَ ضَمُّهُمَا.

وَأَجَابَ عَنْهُ الشَّيْخُ فِي الْحَاشِيَةِ بِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِمُجَرَّدِ الْإِعْرَابِ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ، إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ التَّاءَ قَابِلَةٌ فِي حَدِّ ذَاتِهَا لِلْفَتْحِ وَالضَّمِّ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: السَّفَرُ الَّذِي سَأَلَتْ فِيهِ عَائِشَةُ وَقَعَ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا، فَتَارَةً صَامَتْ وَأَفْطَرَ وَأَتَمَّتْ وَقَصَرَ وَتَارَةً بِالْعَكْسِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَأَلَتْ مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ مُرَّةٍ عَنْ حَالَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا سَأَلَتْ مَرَّةً وَاحِدَةً عَنْ إحْدَاهُمَا فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيمَا سَأَلَتْ عَنْهُ مِنْ الْحَالَتَيْنِ لِوُقُوعِهِمَا إنْ كَانَ هُنَاكَ رِوَايَاتٌ فَتَأَمَّلْ.

(قَوْلُهُ: أَوْ أَنَّهُ إضَافِيٌّ) أَيْ لَا فَائِتَةُ الْحَضَرِ (قَوْلُهُ: وَعَلَى الْأَظْهَرِ فِي الْخَوْفِ) لَعَلَّ مُقَابِلَ الْأَظْهَرِ

<<  <  ج: ص:  >  >>