للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الشرح

قال القاضي (١) :

النَّسْخ كالفَسْخ (٢) ، فكما أن الإجارة إذا كانت شهراً يستحيل فسخها إذا انقضى الشهر، ويمكن فسخها في أثناء الشهر، لأن شأنها أن تدوم، فكذلك النسخ لا يكون إلا فيما شأنه أن يدوم. والجماعة يمنعون هذا التشبيه، ويقولون: إن (٣) الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه، فلو كان الحكم دائماً في نفس الأمر لعلم دوامه، ولو علم دوامه لتعذَّر (٤) نسخه، فإن خلاف المعلوم مُحالٌ في حَقِّنا، فكيف في العلم القديم! وكذلك كل ما علمه الله تعالى فهو مُخْبَرٌ عنه بالكلام النَّفْسَاني (٥) ،


(١) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١ / ٢٤٥، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العِزِّ الحنفي
ص ٢٧٧، الشامل في أصول الدين للجويني ص ١٣٦، تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد للبيجوري
ص ٩١، صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب والسنة للشيخ علوي السقَّاف ص ٢٠٠ فبحثه في هذا نفيس.

وقول المصنف هنا: ((الكلام القديم)) مُجْملٌ ولكنه في اعتقاد الأشاعرة بمعنى أن صفة الكلام لله صفة قائمة بذاته أزلاً وأبداً، وأنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته متى ما أراد. وأما عند أهل السنة والجماعة فصفة الكلام لله صفة ذات وصفة فعل، فجنس كلامه قديم وآحاده حادث، يحدثه الله متى شاء كما قال
تعالى: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} [الأنبياء: ٢] . انظر شرح المقاصد للتفتازاني ٤ / ١٤٣ - ١٦٣، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١٢ / ٣٨، ١٠٥، ١٣٣، ٣٧١، ٥٧٩. لمعة الاعتقاد لابن قدامة المقدسي شرح فضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين
ص ٧٤.
() انظر حجة القاضي في: نفائس الأصول ٦ / ٢٤٠٨، رفع النقاب القسم ٢ / ٣٧٥.
(٢) الفَسْخ: مصدر فَسَخَ تقول: فسختُ البيعَ أو العَقْد: نقضته وأبطلته ورفعته. انظر: المصباح المنير مادة
" فسخ "، الدرُّ النقي في شرح ألفاظ الخِرَقي لابن المَبْرد ١ / ١٨٨.
(٣) ساقطة من ق.
(٤) في ن: ((تعذر)) والمثبت أولى؛ لأن الأكثر في جوابها إذا كان ماضياً مثبتاً اقترانه باللاَّم. انظر: همع الهوامع ٢ / ٤٧٣.
(٥) في ق: ((النفسي)) . وصفة الكلام - عند الأشاعرة - هي المعنى القائم بنفس الله. قال البيجوري:
((
واعلم أن كلام الله يطلق على الكلام النفسي القديم، بمعنى أنه صفة قائمة بذاته - ثم قال - ليست بحرف ولا صوت ... )) انظر: تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد ص (٧١، ٨٢) ، وانظر: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد للجويني ص ١٠٥ - ١٣١ وهذا مذهب باطل. وأما مذهب أهل السنة والجماعة من السلف الصالح فإنهم يثبتون لله صفة الكلام على الحقيقة، وهي صفة قائمة بذاته، {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ} [التوبة: ٦] . ومما يُردُّ به قولهم بالكلام النفسي قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله تجاوز عن أمتي عمَّا حدثت به أنفسها مالم تتكلم به أو تعمل به)) رواه البخاري (٦٦٦٤) ومسلم (١٢٧) . فالحديث ظاهر في أن حديث النفس ليس كلاماً. وإذا كان كلام الله نفسياً فما الذي سمعه موسى عليه السلام وقد قال الله تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء: ١٦٤] ؟! . ثم أيُّ مزيَّةٍ لموسى عليه السلام في اصطفاء الله له بكلامه على من سمع الوحي بواسطة الملك أو كان إلهاماً؟!

<<  <  ج: ص:  >  >>