للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:
مسار الصفحة الحالية:

٢٢٢٤ - وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اللهم إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فإنما أنا بشر، فأي المؤمنين آذيته: شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)) متفق عليه.

ــ

أصاب فهو نائل. ((شف)): ((من مات)) في محل النصب علي أنه مفعول لـ ((نائلة)) وقوله: ((لا يشرك بالله)) نصب علي الحال من فاعل ((مات)) أي شفاعتي نائلة من مات من أمتي غير مشرك بالله شيئًا.

((مظ)): اعلم أن جميع دعوات الأنبياء مستجابة, والمراد بهذا الحديث: أنَّ كلَّ نبي دعا علي أمته بالإهلاك، كنوح، وصالح، وشعيب، وموسى، وغيرهم، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم، فلم يدع علي أعدائه بالإهلاك، فأعطى قبول الشفاعة يوم القيامة عوضا عما لم يدع علي أمته، وصبر علي أذاهم، ونعني بالأمة هنا أمة الدعوة، لا أمة الإجابة، فإن أحدا من الأنبياء لم يدع علي من أجابه من أمته، بل دعا علي من كفر به.

أقول: هذا مشكل؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دعا علي أحياء من العرب بقوله: ((اللهم العن فلانا وفلانا))، ودعا علي رعل، وذكوان، وعصية، ودعا علي مضر، وقال: ((اللهم اشدد وطأتك علي مضر، واجعلها سنين كسني يوسف)) فالتأويل المستقيم، أن معنى قوله: ((لكل نبي دعوة مستجابة)) أن الله تعالي جعل لكل نبي دعوة واحدة مستجابة في حق أمته، فكل من الأنبياء نالوها في الدنيا بإهلاك قومه، وأنا ما نلتها في الدنيا، حيث دعوت علي بعض أمتي فقيل لي: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم} فبقيت تلك الدعوة المستجابة مدخرة في الآخرة، وأما دعاؤه علي مضر فليس للإهلاك، بل للارتداع لينيبوا إلي الله تعالي، فانظر أيها المتأمل بين الدعاءين، ثم تحقق قوله تعالي: {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}، وأما قوله: ((إن جميع دعوات الأنبياء مستجابة)) فيقف عليه عند قوله صلى الله عليه وسلم: ((سألت الله ثلاثا فأعطإني اثنين ومنعني واحدة)) وهي: أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض، والله أعلم.

الحديث الثاني عن أبي هريرة رضي الله عنه: قوله: ((اتخذت عندك عهدا)) ((قض)): لما كان كل واحد من العهد والوعد متضمنا معنى الآخر، عبر عن الوعد بالعهد تأكيدًا وإشعارًا بأنه من المواعيد التي لا يتطرق إليها الخلف، وقال ((لن تخلفنيه)) ولا ينبغي أن يتطرق إليها كالمواثيق، ولذلك استعمل فيه الخلف، فقال: ((لن تخلفنيه)) للمبالغة وزيادة التأكيد.

((تو)): العهد هنا الأمان، المعنى: أسألك أمانًا لن تجعله خلاف ما أترقبه وأرتجيه، وإنما وضع الاتخاذ موضع السؤال تحقيقًا للرجاء بأنه حاصل إذا كان موعودا بإجابة الدعوة؛ ولهذا قال: ((لن تخلفنيه)) أحل العهد المسئول محل الشيء الموعود، ثم أشار إلي أن وعد الله لا يتأتى فيه الخلف، فإن الإلوهية تنافيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>