للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[الإسلام: دين وحضارة]

وكان أبرز الأخطاء التي طبقها الغرب في الحديث عن "الإسلام" أنه لم يحاول أن يفرق بين المسيحية والإسلام في مفاهيمها ومقوماتها.

ولذلك حمل في الحرب على الإسلام نفس المعاول التي حملها في محاربة المسيحية ابان عصر النهضة بغية اقصائها عن الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية وبعد أن فسدت أساليب الكنيسة وظهرت أخطاء وبعد أن فسدت أساليب الكنيسة وظهرت أخطاء رجال الدين في تسلطهم واستبدادهم وجمودهم ووقوفهم في وجهة الحرية والنهضة وغلوهم في التعصب وبعدهم عن التطور.

ولقد كان الإسلام مختلفا أشد الاختلاف عن المسيحية في هذه الناحية، فان الإسلام لم يكن دينا فحسب ولكنه دين ونظام اجتماعى واقتصادى وسياسى كامل، ولقد كان الإسلام متطورا دائما وقادرا على الاستجابة للحضارة وللزمن وللبيئات المختلفة، وقد دخل هذه التجربة من قبل ولم يكن للإسلام كهنوت له صلة السيطرة والتحكم في الناس والوساطة بينهم وبين الخالق. ولذلك فان المقارنة بين المسيحية والإسلام من هذه الناحية باطلة، كما أن محاولة اخضاع الإسلام كدين ونظام لما خضعت له المسيحية - التي هى دين فحسب - ليس من الحق في شيء. ولكن التعصب وشهوة الحقد الأعمى والرغبة في القضاء على روح الدين وتنحية الإسلام عن نفوذه في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية حالت بين دعاة التغريب والغزو الثقافي وبين كشف هذه الحقائق. ولم يستطع أتباع المستشرقين والمبشرين من مفكرينا التعرف إلى هذه الفوارق لأنهم اتصلوا بالفكر الغربي قبل أن يستكملوا مفاهيمهم في الفكر الإسلامي ومقوماته.

واذا كان للإسلام في هذه الفترة التي بدأ فيها الغزو الثقافي مغمز فانما كان في تطبيقه لا في مقوماته وأصوله، هذه المقومات والأصول التي ظلت طوال القرون ضياءا هاديا وقوة حية، فان انصراف المسلمين عن مفاهيم الإسلام وضعف الحكومات والتخلف في ميادين الحرب والسياسة، والانصراف عن القوة والمقاومة، قد أحل عصرا من الضعف والركود والتواكل والفرقعة وفرض سلطان الحكام المستبدين والعلماء الجامدين الذين أغلقوا باب الاجتهاد ووقفوا عند التقليد مما خلق غشاءا دقيقا من الأوهام والبدع والخرافات التي حاولت أن تحجب جوهر الإسلام ونقاءه، وتحجزه وراء طبقة كثيفة من هذه الزيوف.

غير أنه لم يخل من مصلح ينبرى ليكشف هذه الزيوف ويرفع هذا الغشاء ويدعو إلى الإسلام المصفى، ويحاول أن يعود بالناس إلى بساطة الإسلام الأول ويسره وحقيقته الكامنة المختفية. وقد كانت دعوة محمد بن عبد الوهاب في أواخر القرن السابع عشر الميلادى هى نقطة الانطلاق في تحرير الإسلام من زيوف الجمود الذي انتهى إلى الضعف والفساد بينما بدأت أوربا تستيقظ وتنقل آثار العرب وتترجمها وتكون بدأت أوربا تستيقظ وتنقل آثار العرب وتترجمها وتكون حضارتها وثقافتها الجديدة وتتنبه إلى دورها في القضاء على الإسلام والسيطرة على الشرق في محاولة للانتقام من هزيمة الحروب الصليبية وخشية من اتساع نطاق الإسلام وتطويقه لأوربا عن طريق تركيا العثمانية التي وصلت إلى أسوار "فيينا" وبعد أن توقفت من الجانب الآخر عن طريق الأندلس عند مصب نهر اللوار.

ولقد كانت خطة الغرب في السيطرة على العالم العربي والإسلامي تهدف أساسا في القضاء على الإسلام:

١ - كقوة حرة قوية لا تقبل الذل والاحتلال.

٢ - القضاء على جوهر الدين في مفاهيم الجهاد والمقاومة والحرية.

٣ - اقصاء الإسلام عن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وقد اتجهت حملات الغزو الثقافي إلى وجهتين:

١ - الدين بصفة عامة.

٢ - الإسلام بصفة خاصة.

ولما كانت الحملات موجهة من الفكر الغربي المسيحى فان كل الحملات التي وجهت إلى "الدين" كانت مقصودا بها الإسلام أساسا.

وقد تمثلت هذه الحملات على الدين في أنه ظاهرة: من الظواهر الاجتماعية لم ينزل من السماء ولم يهبط به وحى وانما خرج من الأرض كما خرجت الجماعة نفسها.

وأن الديانات قيود وأغلال التزمها الناس بدعوى أنها منزلة خالدة، وأن وضع الدين في جانب العقل يقضى بهدمه، وأن الدين لا يخلق الانسان. ولكن الانسان هو الذي صاغ الدين، وليس الدين الا صدى الألم الذي يتردد في نفوس المظلومين وأن الدين حادث "عمراني" له قدره (التاريخي) وليس له صلة بالاقتصاد.

<<  <   >  >>