للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التشفي، تبرد غلة الحقد العنصري المستعر في قلوبهم، وتهدئ من وحشية الحسد الذي ينهش أكبادهم من الأمم المستقرة في أرضها، المطمئنة في بيوتها، والرخية بخيرات وجهد شعبها. من ذلك مثلا ما فعله موسى بأمر من يهوه (الرب) حين "مد يده على مياه المصريين ـ فتحول الماء في النهر دماً. وكان الدم في كل ارض مصر. ومات السمك وانتن النهر". وما فعله هرون بأمر من يهوه (الرب) أيضا حين "مد يده بعصا وضرب تراب الأرض، فصار بعوضاً على الناس وعلى البهائم. وكل تراب الأرض صار بعوضاً في جميع ارض مصر. فهذه الضربات وغيرها التي اشتهوا أو تمنوا إنزالها بالمصريين وزعموا أو توهموا إن إلههم (يهوه) قد أنزلها بهم هي نماذج فريدة في الشماتة والتشفي والانتقام، وبالحري الشعور بالانتقام ولو بالوهم والزعم (١).

ونحن نعرف من الخبرة المعاشة دور الحلم في عملية التداوي من المخاوف وتحقيق الرغبات التي تمارسها الذات الفردية في معرض سعيها إلى صون توازنها في مواجهة إجتياحات العالم الواقع. لهذا اجتهد كهنة اليهود عند كتابة العهد القديم في عصر السبي وما بعده، لوضع عقائد تتيح تجميع القبائل في ظل نظام ملكي وهيكل موحد، باعتبار ذلك الاستجابة الوحيدة الممكنة للتحدي الذي نشأ عما تعرض له اليهود، من ضغوط خارجية كان معظمها ناجماً عن شراسة وعدوانية اليهود تجاه الشعوب التي حلوا بأرضها، وما عانوه من حزازات وتمزقات نجمت عن شراسة قبائله وعدوانيتها تجاه بعضها البعض للفوز بأكبر نصيب ممكن مما ينهب من أراضي الشعوب وثرواتها.

وقد لعبت كتابات اليهود هذه دوراً رئيسياً في تشكيل الشخصية اليهودية والسمات التي تميزها من ذلك العصر وحتى الآن، مثل اتصاف هذه الشخصية بالانطوائية والكآبة والتشكك والتشاؤم والشعور بالدونية والإحساس بالفشل والحساسية المفرطة للنقد والحاجة للمديح والإطراء والإحساس بالافتقاد للجذرية. وقد نتج عن هذه الصفات انفصام في الشخصية اليهودية، تمثل في التناقض بين الشعور بالاستعلاء والشعور بالدونية والاضطهاد، وهذا التناقض جعل الشخصية


(١) المسيح القادم .. مسيح يهودي سفاح - جورجي كنعان - ص١٣٣

<<  <  ج: ص:  >  >>