للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لقد عانوا من الانقسام ومن تجارب الحرب الأهلية المرة بين الشمال والجنوب، كما حدث مع اليهود القدماء عندما انقسمت مملكتهم إلى مملكتين إحداهما في الشمال والأخرى في الجنوب.

لقد كان هؤلاء المستوطنون يعلمون أن الأرض التي استولوا عليها من سكانها الأصليين ليست أرضهم، كما أنهم يعلمون أن ما يقومون به من عمليات اضطهاد وقتل وتشريد للسكان الأصليين، يتنافى مع أبسط المبادئ الأخلاقية، فكانوا لذلك بحاجة إلى شيء يبرر لهم أفعالهم هذه ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية ولو مزيفة، فلم يجدوا هذا التبرير إلا في العهد القديم. فكما أن اليهود القدماء برروا احتلالهم لفلسطين بالإدعاء بأنها الأرض الموعودة التي وهبها الله لشعبه المختار ـ كما يقولون- فإن هؤلاء المستوطنون الجدد فعلوا نفس الشيء بالإدعاء بأن الله أختار العنصر الأنجلوسكسونى البروتستانتي الأبيض لقيادة العالم، بل إنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك عندما شبهوا الشعب الأمريكي بالشعب اليهودي الذي يسعى إلى دخول الأرض الموعودة.

ولأن زعم هؤلاء المهاجرين الأوائل بأنهم شعب الله المختار، لا وجود له في أي كتاب مقدس، فإن بعضهم سعى إلى إيجاد رابطة بينهم وبين اليهود الذين يدعون أنهم شعب مختار. لهذا فقد زعم أحد الكتاب ويدعى ريتشارد بروترز في كتابه (المعرفة المنزلة للنبوءات والأزمنة) "بأن الإنجليز السكسون هم من أصل يهودي، على أساس أنهم ينحدرون من سلالات الأسباط التي أدعى اليهود أن أفرادها فقدوا بعد اجتياح الآشوريين لمملكة إسرائيل عام ٧٢١ قبل الميلاد" (١). وربما يفسر هذا الادعاء ما كتبه هيرمان ملفيل في بداية القرن التاسع عشر متحدثاً عن الشعب الأمريكي حيث قال: "نحن الأمريكيون شعب خاص، شعب مختار وإسرائيل العصر الحاضر" (٢).

يقول القس البروتستانتي صموئيل ويكمان في موعظته الشهيرة على ظهر السفينة (أرابلا) التي حملت أول مجموعه من البروتستانت البيورتانيين (التطهيريين)


(١) أزمة الفكر الصهيوني ـ د. محمد ربيع ـ ص ٤٦.
(٢) الإمبراطورية الأمريكية ـ كلود جوليان ـ ترجمة ناجى أبو خليل ـ ص ١٩

<<  <  ج: ص:  >  >>