للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

يعلم أن القدر حق كيف ينصب؟

[العقلاء ثلاثة]

قال يحيى بن معاذ العقلاء ثلاثة: من ترك الدنيا قبل أن تتركه، وبنى قبره قبل أن يدخله، وأرضى خالقه قبل أن يلقاه.

[يا أيها الناس]

اعملوا على مهل وكونوا من الله على وجل، ولا تغتروا بالأمل ونسيان الأجل، ولا تركنوا إلى الدنيا فإنها غدارة خداعة، قد تزخرفت لكم بغرورها، وفتنتكم بأمانيها، وتزينت لخطابها، فأصبحت كالعروس الجلية، العيون إليها ناظرة والقلوب عليها عاكفة، والنفوس لها عاشقة، فكم من عاشق لها قتلت، ومطمئن إليها فذلت، فانظروا إليها بعين الحقيقة فإنها دار كثير بوائقها وذمها خالقها، جديدها يبلى، وملكها يفنى، وعزيزها يذل، وكثيرها يقل، ودها يموت، وخيرها يفوت، فاستيقظوا رحمكم الله من غفلتكم، وانتبهوا من رقدتكم قبل أن يقال فلان عليل، فهل على الدواء من دليل؟ وهل إلى الطبيب من سبيل؟ فتدعي لك الأطباء ولا يرجى لك الشفاء ثم يقال فلان أوصى ولماله أحصى، ثم يقال: قد ثقل لسانه فما يكلم إخوانه، ولا يعرف جيرانه، وعرق عند ذلك جبينك، وتتابع أنينك، وثبت يقينك، وطمحت جفونك، وصدقت ظنونك، وتلجلج لسانك، فبكى إخوانك، وقيل لك هذا ابنك فلان، وهذا أخوك فلان، ومنعت من الكلام فلا تنطق، وختم على لسانك فلا ينطق، ثم حل بك القضاء، وانتزعت نفسك من الأعضاء، ثم عرج بها إلى السماء، فاجتمع عند ذلك إخوانك، وأحضرت أكفانك، فغسلوك وكفنوك، فانقطع عوادك، واستراح حسادك، وانصرف أهلك إلى مالك، وبقيت مرتهنا بأعمالك.

[انتبه!]

اعلم أن الدنيا سريعة الفناء، قريبة الانقضاء، تعد بالبقاء ثم تخلف الوفاء، تنظر إليها فتراها ساكنة مستقرة وهي سائرة سيرا عنيفا ومرتحلة ارتحالا سريعا، ولكن الناظر إليها قد لا يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائه، ومثالها الظل فإنه متحرك ساكن؛ متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر، بل بالبصيرة الباطنة.

<<  <  ج: ص:  >  >>