للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ومعظم الشعوب تشعر بالحاجة الشديدة إلى المثل العليا في ذلك لتخفف عن الإنسانية آلامها وتأسو جراحها، وهي متلهفة على مثال لذلك من الأعمال، لا على مثال عليه من الأقوال.

ولست بمبالغ إذا قلت: إن التاريخ أصدق شاهد على أنه ليس في الدنيا أحد يصح أن يكون للإنسانية أسوة من سيرته وحياته غير سيرة محمد صلى الله عليه وسلم وحياته.

وليكن على ذكر منكم ما تحدثت به إليكم من قبل، وهو أن حياة العظيم التي يجدر بالناس أن يتخذوا منها قدوة لهم في الحياة ينبغي أن تتوافر فيها أربع خصال:

١ - أن تكون (تاريخية) أي أن التاريخ الصحيح المحض يصدقها ويشهد لها.

٢ - أن تكون (جامعة) أي محيطة بأطوار الحياة ومناحيها وجميع شئونها.

٣ - أن تكون (كاملة) أي أن تكون متسلسلة لا تنقص شيئاً من حلقات الحياة.

٤ - أن تكون (عملية) أي أن تكون الدعوة إلى المبادئ والفضائل والواجبات بعمل الداعي وأخلاقه، وأن يكون كل ما دعا إليه بلسانه قد حققه بسيرته وعمل به في حياته الشخصية والعائلية والاجتماعية، فأصبحت أعماله مثلاً عليا للناس يتأسون بها.

وأنا لا أقول إن الأنبياء صفرت صحائف حياتهم من هذه الميزة مدة وجودهم في الحياة الدنيا، بل أقول إن سيرتهم التي توجد الآن بين أيدي الناس لا تنص على هذه الأمور، ويخيل إليَّ أن الحكمة الإلهية في ذلك ترجع إلى أن أولئك الأنبياء إنما بعثِ الواحد منهم لزمن قصير نسبياً فكان الموفقون للخير من شعوبهم يعرفون سيرتهم فيتأسون بها، ولم يكن هنالك حاجة إلى أن تبقى سيرتهم معلومة للأجيال التالية بعدهم؛ لأن النبؤات ستختم برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الكاملة إلى الناس كافة في كل زمان ومكان، فمست الحاجة إلى أن تكون سيرته صلى الله عليه وسلم معلومة عل حقيقتها في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، ليتيسر التأسي بها لجميع أمم الأرض. وهذا من أصدق البراهين على كون محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين ولا نبي بعده: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (١).


(١) الأحزاب: ٤٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>