للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

٥ - غير أن هذه الأنواع صارت أداة صالحة عند الشعراء الفحول يزيدون بها رنة الوزن، ويقوون بها جرس الألفاظ. ومن الشعراء الذين يرزوا في هذا المضمار جرير والبحتري.

٦ - وقد استغل المتنبي التكرار الترنمي استغلالا كاد ينفرد به. وهو يضفي على شعره لونا موسيقيا جليلا يناسب طبيعته وطبيعة ما كان يتناوله من أغراض، وما ينظم فيه من بحور.

٧ - ويلغب على الظن أن الأنواع المعيبة من تكرار المتنبي ما كانت إلا تمهيدا وتهيئة لما كتب له التوفيق فيه بعد، من التكرار النغمي المعجز.

[التكرار المراد به تقوية المعاني الصورية]

هذا النوع من التكرار خطابي إنشائي الصبغة في جوهره. وبما أنه تكرار لفظي، فهو لا يخلو من عنصر الترنم، ويشترك من هذه الجهة مع صنف التكرار الذي تحدثنا عنه آنفًا، وزعمنا أنه يقصد به إلى مجرد تقوية النغم. والفرق الأساسي بينه وبين التكرار النغمي، هو أن التكرار النغمي ينصب على الوزن أول من كل شيء، ويباريه ويجاريه، ويعمد إلى إظهار كوامنه وغوامضه، وتقوية موسيقاه وبسطها وتعقيدها. (ومسلك الشعراء المطبوعين جدًا أمثال جرير في قوله:

أتذكر إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامةٍ سقي البشام

يوضح ذلك). أما هذا التكرار الصوري فناحية الترنم عرضت له من حيث إنه تكرار للفظ فقط، لا من حيث إنه حاق الترنم. وهو في حقيقته ينصب على الألوان الإجمالية والمعاني العامة التي تصاحب جو القصيدة وأكثر ما يكون في مقدمات القصائد، لأن المقدمات إنما هي أبدًا تمهيدٌ وتهيئة، ويعند فيها الشعراء إلى خلق أجواء عاطفية يخلصون منها إلى أغراضهم. وفي الشعر العربي خاصة، يجد المقدمات

<<  <  ج: ص:  >  >>