للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويزينون ويزركشون على طريقة ابن الرومي وابن المعتز وكشاجم والصنوبري وأبي الفتح البستي، وسائر شعراء القرن الرابع.

المتنبي (١)

ولعل المتنبي والشريف الرضي من أمثلة الشذوذ التي تعين على برهنة القاعدة. فكلاهما قد نفر من الزخرفة شيئا، ورجع إلى المنحى القديم، منحى الشعراء الأمويين والجاهلين أما رجعة الشريف فكانت لفظية، من حيث أنه طلب الجزالة والضخامة. وابن هانئ قريب من الشريف في هذه الناحية. وأما رجعة المتنبي فكانت معنوية، من حيث أنه طلب الوضوح، والقصد إلى الغرض مباشرة. وقد فطن النقاد إلى هذه الناحية منه، وشبهه ابن رشيق بالفارس الشجاع الجاسر (٢)، الذي يهجم على مراده ولا يتلطف وما أحسب إلا أن نشأة المتنبي البدوية، كانت ذات أثر بليغ في توجيهه إلى هذا الأسلوب. هذا، ولا ننسى بعد أن المتنبي والشريف كليهما لم يسلما من تعاطي المجازات والتشبيهات الراسمة. ومن أمثلتها عند المتنبي وصفه للبحيرة حي يقول:

كأنها في نهارها قمر ... حف بها من جنانها ظلم (٣)

ثم إنهما كلاهما لم يخل من نظرة قوية إلى ابن الرومي في طريقة الغوص على المعاني واستخراجها. وقد حرص المتنبي على أسلوب القدماء في اظهار الجرس عن طريق التقسيم البسيط، والجناس السجعي، بتكرار الحروف، والترصيع والتكرار المحض، (كما قدمنا آنفا). والذي يقرأ أوصاف المتنبي للحروب لا يمكن أن يخفي


(١) انظر مجلة المناهل المغربية في العدد ١٣ - طبعة المحرم ١٣٩٩ - ديسمبر ١٩٧٨. إن شاء الله تعالى.
(٢) العمدة (١: ١٢٢).
(٣) من قصيدته: أحق عاف بدمعك الهمم.

<<  <  ج: ص:  >  >>