للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[خصائص النبي صلى الله عليه وسلم]

فينجم عن هذا درس أن النبي عليه الصلاة والسلام حظنا من النبيين ونحن حظه من الأمم، ولا نبي بعده ولا أمة بعدنا.

وهذا النبي خصه الله جل وعلا بأمور منها ما يشترك فيه مع إخوانه من النبيين، ومنها ما هو خصيصة له صلوات الله وسلامه عليه، فمما يشترك فيه مع النبيين أنه تنام عينه ولا ينام قلبه، وأنه يخير عند الموت، وأنه يدفن حيث مات، وأنه مؤيد بالوحي، فهذا كله يشترك فيه النبي عليه الصلاة والسلام مع غيره من الأنبياء.

ثم خصه الله جل وعلا بخصائص عدة صلوات الله وسلامه عليه، منها هذه الخصيصة، وهي أن الله جل وعلا أخذ العهد والميثاق من النبيين من قبل أنه متى ظهر صلوات الله وسلامه عليه في زمانهم فعليهم أن يتبعوه، وقد ظهر عليه الصلاة والسلام وليس هناك نبي، وآخر الأنبياء قبله عليه الصلاة والسلام هو عيسى ابن مريم، وبين عيسى ونبينا عليه الصلاة والسلام قرابة ستة قرون.

يقول عليه الصلاة والسلام: (لو كان موسى بن عمران حيا لما وسعه إلا أن يتبعني)، ولذلك فإن الذين قالوا: إن الخضر صاحب موسى المعروف حي نرد عليهم بأن من أعظم الأدلة على أن الخضر غير حي أن النبي عليه الصلاة والسلام وقف في لواء يوم بدر، ويوم بدر جمع الله جل وعلا فيه على أرض بدر خيرة خلقه، وذلك اللواء كان تحته النبي عليه الصلاة والسلام وجبرائيل، فلو أن الإنسان صنع ما صنع من الدين والمناقب والعطايا والإمامة وغير ذلك فإنه لا يمكن أن يصل إلى الدرجة التي أعطاها الله جل وعلا أهل بدر يوم بدر، فإن الله جل وعلا أخرجهم من بيوتهم ليكونوا مع نبيه صلى الله عليه وسلم، وقد قال حسان بن ثابت مفتخراً في شطر بيت لم تعرف العرب فخرا أعظم منه: جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا لوجب عليه شرعاً أن يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يومها في أعظم الحاجة إلى النصرة، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام وهو ينظر إلى أهل بدر من أصحابه: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا) وقال عليه الصلاة والسلام لـ عمر في قصة حاطب: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فإني قد غفرت لكم) فلا يعدل مقام النبي عليه الصلاة والسلام في يوم بدر وأصحابه أي مقام لأي أحد بعدهم من أهل الدنيا، لا من الصحابة ولا من غير الصحابة، فمن باب أولى أن كل ما يصنعه الناس بعد جيل الصحابة لا يمكن أن يرقى إلى صنيع المسلمين الثلاثمائة والأربعة عشر الذين كانوا مع النبي عليه الصلاة والسلام يوم بدر.

ومن خصائصه عليه الصلاة والسلام: أن الرسول يبعث إلى قومه خاصة وهو عليه الصلاة والسلام بعث إلى الناس عامة.

ومن خصائصه عليه الصلاة والسلام بعث إلى الجن ولما كان عليه الصلاة والسلام في وادي نخلة بعد خروجه من الطائف وأخذ يقرأ القرآن ويقوم الليل يتلو آيات ربه جاء الجن فاجتمعوا عليه، قال الله جل وعلا: {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن:١٩]، يعني أن نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو ربه {كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا} [الجن:١٩]، واللبد: الشيء إذا تجمع.

فالجن لما سمعت قراءته صلى الله عليه وسلم وتوسله إلى ربه في ظلمة الليل في وادي نخلة أقبلت رغم شدة جبروتها فأحاطت به صلى الله عليه وسلم وأخذت تسمع ما يتلوه ويقرؤه صلى الله عليه وسلم في ظلمة الليل رغم أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يعلم ولم ير الجن وهم يستمعون إليه، ولذلك قال الله له: {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ} [الجن:١]، أي: أنا لا أدري {قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا} [الجن:١]، فاجتمعوا حوله وسمعوا قراءته وتلاوته وتهجده وتعبده لربه ودعاءه لله وهو لا يعلم عنهم شيء فلما مضى صلوات الله وسلامه عليه أخبره ربه بأن الجن كانت تستمع إليه.

ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم: رحلة الإسراء والمعراج، وهذه أشهر من أن تعرف.

ومن خصائصه صلوات الله وسلامه عليه أن الله يعطيه يوم القيامة مقام الوسيلة، وهو المقام المحمود قال عليه الصلاة والسلام: (إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي أن تكون إلا لعبد صالح، وأرجو أن أكون أنا هو)، صلوات الله وسلامه عليه، فالوسيلة حق له صلوات الله وسلامه عليه من ربه، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.

والمقام يطول، ولكن الذي يعنينا أن يكون الفرد محباً متبعاً لنبيه صلى الله عليه وسلم.

<<  <  ج: ص:  >  >>