للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[يقظة الصحابة رضي الله عنهم]

إن الإيمان الذي به عزة المؤمنين هو الإيمان الذي يوقظ صاحبه إذا وقع في الذنوب والخطايا، وليس المؤمن هو الذي لا يخطئ أبداً، وإنما المؤمن هو الذي إذا وقع في الذنب تذكر أن له رباً يغفر الذنوب فتوجه إلى الغفور الرحيم، المؤمن هو الذي إذا وقع في المعصية لم ييأس ولم يستهوه الشيطان، ولكنه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ويتوجه إلى ربه تبارك وتعالى.

ولقد كانت يقظة الصحابة عظيمة، فهذا أحدهم -وهو ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه وأرضاه- كان رجلاً جهوري الصوت، فإذا تكلم بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم صار صوته مرتفعاً، فلما نزلت هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات:٢] وسمع بهذه الآية جلس في بيته حزيناً، فسأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله! إنه في بيته جالس، وإنه يقول: أنا من أهل النار، وقد حبط عملي لأنني أرفع صوتي على صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مروه فليأت إليَّ، إنه من أهل الجنة).

إذاً رفع الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم هو بالاعتراض على حكمه وسنته ومنهجه، كما يفعل اليوم كثير من الناس، بل وكثير من المسلمين يرفعون أصواتهم فوق النبي صلى الله عليه وسلم، فيريدون حكم الجاهلية وأنظمة الجاهلية وقوانين الجاهلية وفتات وحقارات الجاهلية، ويضربون بحديث وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض الحائط، وهذا هو رفع الصوت على الرسول صلى الله عليه وسلم.

فلما سمع هذا الصحابي الجليل فرح واستبشر، فلما كانت وقعة اليمامة في قتال المرتدين لبس كفنه، وقاتل رضي الله عنه وأرضاه حتى قتل.

أما تيقظ هذا الإيمان فهاك قصة أخرى لأحد الصحابة أيضاً، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما تحزبت عليه الأحزاب في المدينة من وثنية قريش ووثنية غطفان، فساروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم يريدون أن يسحقوا المسلمين في المدينة المنورة، وكانوا عشرة آلاف: أربعة آلاف من قريش وستة آلاف من غطفان ومن حولها، وحاصروا المدينة، وحفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الخندق كما هو معروف.

ولكن هل هذا هو العدو وحده؟

الجواب

لا.

فقد كان في داخل المدينة عدوان جسيمان للمسلمين: أما أحدهما.

فيهود بني قريظة الذي كانوا داخل حصون المدينة، فنقضوا العهد، وتمالئوا مع المشركين على القضاء على المسلمين.

أما العدو الثاني فالمنافقون داخل صف المسلمين، وقد كانوا يريدون أن يؤخروا حفر الرسول صلى الله عليه وسلم للخندق، وكانوا يريدون أن تأتي الجيوش الجرارة قبل أن يكتمل حفر الخندق، يريدون بذلك أن يهجم الأحزاب على المسلمين قبل أن يكتمل خط دفاعهم الأول، ولكن قال تعالى: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب:٢٥]، فكانت العاقبة للمؤمنين، حيث أنزل الله ريحاً وجنوداً على الكفار أكفأت قدورهم، وقلعت خيامهم، وولوا مدبرين، وبعد ذلك ذهب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الخونة من اليهود في بني قريظة يريد أن يقتص منهم، فتحصنوا بحصونهم، وقالوا: أرسل لنا رجلاً.

فأرسل لهم أحد الصحابة، فلما دخل عليهم هذا الصحابي الجليل -وهو أبو لبابة - استقبله اليهود داخل الحصن بالنساء والأطفال وهم يبكون بكاءً شديداً، يريدون أن يسترحموه، وصاروا يفاوضونه ويقولون له: ماذا ترى: هل ننزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فهذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه لما سألوه: هل ننزل على حكم محمد؟ قال لهم: نعم.

وأشار بيده إلى حلقه، يعني: نعم.

إنه الذبح.

ولم تنته هذه الحركة منه رضي الله عنه وأرضاه حتى شعر بندم شديد على أنه فضح سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أعطاهم النصح قائلاً: إن نزلتم على محمد فسيكون حكمكم الذبح.

فكيف يرجع هذا الصحابي الجليل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره عن نتيجة المفاوضات وقد وقع فيما وقع فيه؟ فما استطاع، فماذا فعل؟ نزل حزيناً كئيباً شاعراً بذنبه، حتى أتى إلى المسجد وربط نفسه بسارية من سواري المسجد، وقال: والله لأبقين هكذا حتى يفك قيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سجن نفسه في سارية المسجد، وكان بعض أهله يأتيه إذا حضرت الصلاة فيفك قيده ثم يصلي، ثم يرجع ويربط نفسه بالقيد، حتى بقي على ذلك سبع عشرة ليلة.

هذا هو إيمان العزة، قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف:٢٠١]، وأنزل الله توبته، وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم -كما ورد في بعض الآثار- قوله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة:١٠٢]، وبشر رضي الله عنه وأرضاه بالتوبة، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وفك قيده.

هذا هو الإيمان الذي يجعل العبد يستيقظ.

هذا الإيمان هو الذي دفع بذلك الشاب الذي كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم في إحدى أماكن القبائل فسمع بالإسلام، فعزم على أن يذهب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليقابله، فلم يطعم طعاماً ولم يشرب شراباً، وإنما كان يركض لهفاً حتى إنه كان إذا جاع أخذ من الشجر وأكل منه حتى تجرح شدقاه رضي الله عنه، فأقبل بين مكة والمدينة وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه ذاهب إلى مكة للحج، فلما لقيهم هذا الشاب قالوا له: أين تريد؟ قال: ذاهب إلى المدينة أريد محمداً صلى الله عليه وسلم.

فقالوا له: هذا هو رسول الله.

فأقبل هذا الشاب لهفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: يا رسول الله! أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، بماذا تأمرني؟ ما الإسلام؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)، فأخذ العلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وانطلق، وما كاد ينطلق حتى عثرت دابته بجحور اليرابيع، فلما عثرت سقط فدقت رقبته فمات.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك: (ائتوني به) فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ويعرض، ثم قال صلى الله عليه وسلم: (دونكم أخاكم فغسلوه وكفنوه)، فلما غسلوه وكفنوه وصاروا يحفرون قبره، أمرهم باللحد، وقال: (اللحد لنا والشق لغيرنا).

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أتدرون لما أعرضت عنه؟ قالوا: لا يا رسول الله! قال: لقد رأيت الملائكة تطعمه بثمر من ثمر الجنة لأنه مات جائعاً) رضي الله عنه وأرضاه.

هذا هو الإيمان، وليس إيمان الترف والاستكانة التي يعيشها الناس اليوم، بل إيمان العزة والكرامة، والثقة والنصر بالله سبحانه وتعالى.

ففي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أحواله، وفي أحوال أصحابه قصص عظيمة للعبرة، ولكن عمر رضي الله عنه وأرضاه أعطانا نموذجاً لذلك لما جاء ليفتح بيت المقدس، فإنه جاء على جمل يعتقبه هو وصاحبه، وخاض المفازة، فقال له أبو عبيدة: (لو أنك جئت إليهم راكباً؟) فقال عمر رضي الله عنه وأرضاه كلمة مشهورة يجب أن نقف عندها دائماً، قال: (إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا طلبنا العزة بغيره أذلنا الله).

<<  <  ج: ص:  >  >>