للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

استدل أصحاب هذا القول بما في الفاء في قوله {فَأَثَابَكُمْ} من معنى السببية، وأن الصرف في قوله {صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ} سببٌ لهذه الإثابة بالغم (١)، فإن الدولة كانت للمسلمين في أول غزوة أُحد، ثم صرف الله المسلمين عن المشركين وتسلَّط المشركون عليهم، فتفرَّع عن ذلك أن أثابهم الله بالغم، فكان الصرف سببَ إثابتهم بالغم.

[٣) أدلة القول الثاني في المسألة]

نقل السمين الحلبي عن شيخه أبي حيان دليل هذا القول وأنه هو الظاهر المتبادر للذهن، فإن الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكورٍ في السياق، وأقرب المذكورات التي يصح عليها احتمال العطف هي قوله تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُنَ}.

[٤) الموازنة بين الأدلة]

الأصل أن يكون العطف على أقرب مذكور، ولا ينبغي العطف على مذكورٍ بعيد مع إمكان العطف على القريب، ولعل الذي منع من ذلك هو الإشكال الذي ذكره السمين الحلبي، وقد ذكر جوابه.

ويظهر أن الإشكال يرجع إلى اشتراط اتحاد الزمن عند عطف الفعل على الفعل، وهذا الشرط لا يلزم منه اتحاد نوعي الفعل بحيث يكونا إما ماضيين أو مضارعين، بل يصح عطف الماضي على المضارع إذا كان زمانهما واحدًا، كقوله تعالى: {يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ} [هود: ٩٨]، فالفعلان (يَقدُم) و (أوردهم) مختلفان في نوع الفعل لكنهما متحدان في الزمن، فهما جميعًا في المستقبل (٢)، وفيما ذكره السمين الحلبي في المسألة التي نحن فيها يتضح أنه لا مانع من عطف الفعلين لاتحادهما في زمن المضي.

ثم إن الاستدلال للقول الأول بما في الفاء من معنى السببية يمكن أن يكون كذلك للقول الثاني، فإن الإصعاد والهروب من المعركة تفرَّع أيضًا عن الصرف، فتفرَّع عنه الإثابة بالغم، فكان إصعادهم وهروبهم سببًا في مجازاتهم بالغم، ولو أنهم ثبتوا استجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعوهم إلى الثبات {وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ} لما جازاهم الله بالغم.


(١) ينظر في حاشية القونوي على تفسير البيضاوي (٦/ ٣٦١).
(٢) ينظر في أوضح المسالك لابن هشام (٣/ ٣٥٤).

<<  <   >  >>