للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

السكون، كما ذكر ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ} [طه: ١٠٨]، قال: "سكنت" (١)، وقال الواحدي: "أصل الخشوع في اللغة: السكون" (٢).

وفي قصة الثلاثة الذين خُلفوا، قال فيها كعب بن مالك: "فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم" (٣)، فجعل الاستكانة مع القعود، وجعل في مقابلها الصبوَة والجلَد، وفي رواية أخرى: "فأما صاحباي فاستكنا" من غير حرف المد (٤)، فإن كانت ترجع إلى الاستكانة ففيها دليل على أن أصلها من السكون وأن المد فيها لأجل الإشباع.

[٥) النتيجة]

إن كان حمل الاستكانة على أن أصلها من السكون يخالف القياس، فإن حملها على (الكون) أو (الكين) فيه تكلُّف ظاهر في ربط المعنى، وقد تتابع أهل العلم في هذه المسألة على أن قوة المعنى ترجِّح القول بأن أصل الكلمة السكون، ولكن الخروج عن القياس يضعفه، وأن القياس يرجِّح القولين الآخرين، ولكن التكلُّف في المعنى يضعفهما، والذي يظهر أن رعاية المعنى أولى وإن خالف القياس اللفظي، وقد قال السمين الحلبي: "إذا دار الأمر بين مرجحٍ لفظي ومرجح معنوي، فاعتبار المعنوي أولى" (٥)، فلهذا يترجح أن أصل الاستكانة من السكون، وهو الموافق لقول جمهور المفسرين، والله أعلم.


(١) رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٦٨).
(٢) التفسير البسيط (٢/ ٤٥٥).
(٣) رواها البخاري في صحيحه (٦/ ٥/ ٤٤١٨)، ومسلم في صحيحه (٤/ ٢١٢٤/ ٢٧٦٩).
(٤) رواها أحمد في مسنده (٢٥/ ٧١)، ويمكن أن تكون بتخفيف النون أو تشديدها، وينظر تفصيلها في كشف المشكل لابن الجوزي (٢/ ١٢٨)، وفي حاشية تحقيق مسند أحمد (٢٥/ ٨٠) وذُكر فيها أن التخفيف أشهر، والله أعلم.
(٥) ينظر في الدر المصون (٥/ ٤٤٤)، وهذه الجملة من نفائسه، ولم أقف على من قال بها غيره وإن كان معناها متقررًا.

<<  <   >  >>