للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الآية (١)، وأهل السنة على خلاف قولهم، فإن الآية عندهم تُحمل على ظاهرها من أن القرب حقيقي، وقد صرَّح بذلك عددٌ من أهل العلم (٢)، ويكفي في هذا تفسير النبي صلى الله عليه وسلم (٣)، فإنه يغني عن التصريح، وقد عدَّ أهل العلم حديثَ ابن مسعود مثالًا على تفسير السنة المبينة للكتاب (٤).

[٢) أدلة القول الأول والثالث في المسألة]

ليس للقول الذي ذكره السمين الحلبي والقول الذي ذكره ابن عطية دليل خاص، وإنما هو المنع من أن يكون قوله تعالى {عِنْدَ رَبِّهِمْ} يقتضي القُرب الحقيقي، لأن معنى (عند) في اللغة يقتضي تمام القُرب كما نقله ابن عطية عن سيبويه (٥)؛ قالوا: والقرب الحقيقي من الله ممتنع لأنه يستلزم التحيُّز في جهة من الجهات، وذلك من خصائص الأجسام؛ قالوا: والله تعالى منزَّه عن التجسيم.

ولذلك لا يقبلون بظاهر اللفظ، فإما أن يجعلوه مجازًا أو يقدِّروا معه محذوفًا يصرفه عن معناه؛ قال السمين الحلبي في موضعٍ آخر من قوله تعالى {عِنْدَ رَبِّهِمْ}: "العندية مجاز لتعاليه عن الجهة" (٦).

وهذان المذهبان (التجوُّز وتقدير المحذوف) مستويان في المأخذ والدليل، وإنما افترقا في طريقة التأويل، لكن يمكن أن يستدل لقول السمين الحلبي بأن (عند) هو اسمٌ للحضور والقُرب الحسي والمعنوي (٧)، فإذا كان يستخدم للقرب المعنوي نحو قوله تعالى {وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص: ٤٧] فلا حاجة إلى تقدير محذوف، ولعله لأجل هذا ذكر السمين الحلبي أن القول بالتجوُّز أبلغ من ادعاء الحذف.


(١) ينظر في المحرر الوجيز لابن عطية (١/ ٥٤٠)، وتفسير القرطبي (٤/ ٢٧٤).
(٢) ينظر في تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة (ص: ٣٩٤ - ٣٩٥)، وزاد المعاد لابن القيم (٣/ ٢١٥)، وتفسير السعدي (ص: ١٥٦) ومعارج القبول لحافظ حكمي (١/ ١٥٩) وفتاوى نور على الدرب لابن باز (١٣/ ٤٦٨).
(٣) سيأتي ذكر الحديث في فقرة أدلة القول الثاني.
(٤) ينظر في الموافقات للشاطبي (٤/ ٤٠٦ - ٤٠٨)، وشرح مقدمة تفسير ابن جزي لمساعد الطيار (ص: ١٧٧).
(٥) ينظر في الكتاب لسيبويه (٣/ ٤٨٠)، وفي بعض الكتب التي نقلت عن ابن عطية خلطٌ بين قوله وقول سيبويه.
(٦) الدر المصون (١/ ٤٠٥)، وينظر تفصيل قولهم في التسعينية لابن تيمية (٣/ ٧٨٠ - ٧٨١).
(٧) ينظر في مغني اللبيب (ص: ٢٠٦).

<<  <   >  >>