للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وكان قد أصاب المشركين في أول غزوة أُحد قتلٌ وهزيمة، كما دل على ذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ} [آل عمران: ١٥٢] (١)، فامتن الله عليهم بهذه النعمة التي ذكرها في السياق.

[٤) الموازنة بين الأدلة]

من الدرر التي أوصى بها السمين الحلبي عند قوله تعالى {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ} [العنكبوت: ٤٣] أنه "لابد من تدبر المَثَل والمُمَثَّل له ومطابقة ما بينهما" (٢)، وهذا الأمر يجدر العمل به هنا لأن المسألة تتعلق بالمماثلة.

أما القول الأول فإن المُمَثَّل له هو إصابة سبعين من المسلمين في غزوة أُحد، والمِثلان فيه هما إصابة سبعين من المشركين قتيلًا، وسبعين أسيرا، وذلك في غزوة بدر، والمطابقة بينهما من جهتين:

الأولى: من جهة المقدار والعدد، فالسبعون مثلها سبعون، والمِثلان لها مئة وأربعون.

والثانية: من جهة الإصابة وإن اختلف نوعها، فالمشركون أصابوا من المسلمين بالقتل، والمسلمون أصابوا منهم إصابتين؛ بالقتل والأسر.

وأما القول الآخر في المسألة فإن المُمَثَّل له هو مقتل أو هزيمة المسلمين في يومٍ واحد هو يوم أُحد، والمِثلان فيه هما مقتل أو هزيمة المشركين في يومين؛ يوم بدر، وأول اليوم من أُحد، والمطابقة بينهما من جهتين:

الأولى: من جهة الظرف الزماني، فاليوم الذي للمشركين يقابله يومان للمسلمين.

الثانية: من جهة نوعٍ الإصابة نفسها وإن اختلف مقدارها، فالمشركون قتلوا المسلمين مرة، والمسلمون قتلوهم مرتين، والمشركون هزموا المسلمين مرة، والمسلمون هزموهم مرتين.

وفيما يأتي المناقشة والنظر في تفاصيل المماثلة بين القولين:

أولًا: المُمَثَّل له في الآية، وهي المصيبة التي ذكرها الله في قوله: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ}، وهذا يتناسب أكثر مع القول الأول الذي فيه تعيين المصيبة بأنها مقتل سبعين من


(١) مستفاد مما ذكره الشنقيطي في أضواء البيان (١/ ٢٠٧ - ٢٠٩).
(٢) عمدة الحفاظ (٤/ ٦٨).

<<  <   >  >>