للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

القناديل) (١).

وإذا كانت أرواحهم تأوي إلى القناديل المعلقة بالعرش فإن ذلك يدل على قربهم من رب العرش الكريم (٢).

[٤) الموازنة بين الأدلة]

أما مَنْ نفى أن تكون الحياة حقيقية فإن السياق يخالف قوله، وذلك من وجهين:

الأول: في قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ}، فذكر القتل ثم ذكر بعده الموت والحياة، فيكون معناهما على الحقيقة، لا حياة الهدى والطاعة وموت الضلالة والغواية.

ومن قال بأن الحياة ليست حقيقية فقد خالف النهي الوارد في الآية في قوله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتَا}، وخالف قوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتُ} [البقرة: ١٥٤].

الثاني: في قوله: {يُرْزَقُونَ}، فذكر أمرًا من خصائص الحياة الحقيقية؛ قال السمين الحلبي: "وإنما قال {يُرْزَقُونَ} بعد قوله {أَحْيَاءٌ} تنبيها على أنها حياة حقيقية مقترنة بالرزق؛ لم يكتف بالنهي عن طلب حسبانهم أمواتًا حتى أكَّد ذلك بما هو من شأن الحياة، وهو الرزق" (٣).

ومن هذين الوجهين يتبين أن الحياة والرزق في الآية على الحقيقة، فأولى أن يكون ما بينهما وهو قوله {عِنْدَ رَبِّهِمْ} دالًا على القُرب الحقيقي.

وأيضًا، فإن السياق في مدح الشهداء وتشريفهم، فالأولى في المدح والتشريف أن يكون القُرب حقيقيًّا وليس مجازيًا، فإن الله شرَّف المتقين بذلك في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرِ} [القمر: ٥٤ - ٥٥].

ولا ينبغي أن يُعتقد أن قُرب الشهداء من الله يقتضي نقصًا في ذات الله وصفاته، بل ذلك


(١) رواه مسلم في صحيحه (٣/ ١٥٠٢/ ١٨٨٧).
(٢) ينظر في تفسير العثيمين لسورة آل عمران (٢/ ٤٣٦).
(٣) عمدة الحفاظ (٢/ ٨٨).

<<  <   >  >>