للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

[كتاب السير]

[باب أصل فرض الجهاد]

مسألة: قال: لما مضت برسول الله صلى الله عليه وسلم مدة هجرته أنعم الله تعالى فيها على جماعات بإتباعه حدثت لها مع عون الله قوة بالعدد لم يكن قبلها ففرض عليهم الجهاد.

الفصل

اعلم أن الله تعالى لما أراد إظهار الإسلام الذي اختاره لعباده بعث خبرته من خلقه محمدًا صلى الله عليه وسلم على ترتيب من أحواله وتدريج فيما أمره به لإظهاره وإحكام قواعده [١٥٢/ ب] وإعلامه ولم يأمره بجميع الشرائع دفعة واحدة وحبب إليه الخلوة فكان يمكث في غار حراء حتى أتاه الملك بأمر الله تعالى. وأنزل عليه الوحي فكان أول ما أوحي إليه قوله تعالى: {اقْرا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي} إلى قوله: {عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق ١ - ٥] فأمره باعتقاد الإيمان وقراءة القرآن في نفسه لأنه خصه به ولم يأمره بإظهاره ثم أمره بالإظهار والقيام بالدعوة والإنذار فقال عز وجل: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنذِرْ} [المدثر ١ - ٢] وقد قال تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} [الحجر ٩٤] وقال أيضًا: {وأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء ٢١٤] فجد رسول الله صلى الله عليه واجتهد فجمع عشيرته وأنذرهم فاستهزؤوا به ولم يقبلوه، وقال أبو لهب: ألهذا دعوتنا؟ تبًا لك فأنزل الله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وتَبَّ} [المسد ١] إلى آخر السورة، وقيل: إنه لما نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ} [المدثر] جد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدعوة ولكنه كان خائفًا سطوة المشركين فكان المتوقف من مخالفتهم حتى نزل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة ٦٧] فلم يتوقف بعد ذلك ولكنه واظب على الدعوة ليلًا ونهارًا وقاسى ما قاسى من بلاء المشركين ثم أمره بعد ذلك بهجرتهم والإعراض عنهم فقال عز من قائل: {وإذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا [١٥٣/أ] فَأَعرِضْ عَنْهُم حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} [الأنعام ٦٨] وقال تعالى {ولا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام ١٠٨] وقال تعالى: {ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} [الحجر ٩٧ - ٩٨].

ثم اشتد البلاء من الكفار عليه وعلى من أسلم من صاحبه لضعفهم وقلتهم فأباح

<<  <  ج: ص:  >  >>