للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

كان أبو بكر أخذها منهم فيما افتتحه من أطراف العراق، وأخذها بعدهما عثمان وعلي، فكان أخذها منهم سنةً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأثرا عن الخلفاء الراشدين.

فصل:

فأما كتاب المجوس، فلم يبق لهم في شريعة الإسلام كتاب، واختلف هل كان لهم، فذكر الشافعي - فيما نقله المزني هاهنا - أنهم أهل كتاب، وقد نص عليه في كتاب الأم، وقال في موضع آخر: لا كتاب لهم، وقد علق القول في موضع ثالث، فاختلف أصحابه في مذهبه، فذهب البغداديون إلى أنه على قولين بحسب اختلاف نصه في الموضعين:

أحدهما: أنهم أهل كتاب.

والثاني: ليس لهم كتاب.

وذهب البصريون إلى أن قوله لم يختلف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية خاصة، وقوله: إنه لا كتاب لهم في أنه لا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وأنهم لا يتلون كتابا لهم.

والذي عليه الجمهور من أصحابنا ما قاله البغداديون من القولين دون ما ذهب إليه البصريون من اختلاف الحالين.

فإذا قيل: إنه لا كتاب لهم، وهو مذهب أهل العراق، فدليله قول الله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام: ١٥٦]. فدل على أنه لا كتاب لمن عداهما، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين كاتب كسرى وقيصر، قال في كتابه إلى قيصر: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا} [آل عمران: ٦٤]. فجعلهم من أهل الكتاب، ولم يكتب إلى كسرى بهذا، وكتب: أسلم تسلم، فدل على أنه ليس لهم كتاب، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ولو كان لهم كتاب لاستغنى عن هذا بأن قال هم أهل الكتاب.

ولرواية ابن عباس أن المسلمين بمكة قبل الهجرة كانوا يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان مشركو قريش يحبون أن يظهر فارس على الروم: لأنهم غير أهل كتاب، فلما غلبت فارس الروم سر المشركون، وقالوا للمسلمين: تزعمون أنكم ستغلبونا: لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم، والروم أهل كتاب، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك فساءه فنزل عليه قوله تعالى: {آلم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: ١ - ٥].

<<  <  ج: ص:  >  >>