للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

عليهم كلهم طاعتي، ومن لم يطعني كان من أشقى الخلق، ومن آياتي هذا القرآن، فإنه لا يقدر أحد على أن يأتي بمثله، وأنا أخبركم أن أحدًا لا يأتي بمثله.

فيقال: لا يخلو إما أن يكون الناس قادرين على المعارضة أو عاجزين.

فإن كانوا قادرين، ولم يعارضوه، بل صرف الله دواعي قلوبهم، ومنعها أن تريد معارضته مع هذا التحدي العظيم، أو سلبهم القدرة التي كانت فيهم قبل تحديه، فإن سلب القدرة المعتادة أن يقول رجل:

معجزتي أنكم كلكم لا يقدر أحد منكم على الكلام ولا على الأكل والشرب، فإن المنع من المعتاد كإحداث غير المعتاد - فهذا من أبلغ الخوارق.

وإن كانوا عاجزين، ثبت أنه خارق للعادة، فثبت كونه خارقًا على تقدير النقيضين; النفي والإثبات. فثبت أنه من العجائب الناقضة للعادة في نفس الأمر". (١)

وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية آنفًا يدل على أنه يرد القول بالصرفة ولا يقبله، بل ويعتبره من أضعف ما قيل في بيان أوجه الإعجاز، وهو في ضوء كلامه آنفًا لا يقبله إلا على سبيل التنزل مع المخالف.

ولذا قال في محض كلامه: (فهذا غاية التنزل، وإلا فالصواب المقطوع به أن الخلق كلهم عاجزون عن معارضته، لا يقدرون على ذلك، ولا يقدر محمد- صلى الله عليه وسلم- نفسه من تلقاء نفسه على أن يبدل سورة من القرآن، بل يظهر الفرق بين القرآن وسائر كلامه لكل من له أدنى تدبر … ). (٢)

[٢ - الحافظ ابن كثير الدمشقي (ت: ٧٧٤ هـ) -رحمه الله-]

حيث يقول: " لو اجتمعت الإنس والجن كلهم، واتفقوا على أن يأتوا بمثل ما أنزله على رسوله، لما أطاقوا ذلك ولما استطاعوه، ولو تعاونوا وتساعدوا وتظافروا، فإن هذا أمر لا يستطاع، وكيف يشبه كلام المخلوقين كلام الخالق، الذي لا نظير له ولا مثال له، ولا عديل له؟! ". (٣)

[٣ - الباقلاني الأشعري (ت: ٤٠٢ هـ) -رحمه الله-]

حيث يقول: "وما يبطل القول بالصرفة أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصَّرْفَةِ، لم يكن الكلام معجزًا، وإنما يكون المنع معجزًا فلا يتضمن الكلام فضيلة على غيره في نفسه، وقال أيضًا: وليس هذا بأعجب من قول فريق منهم أن الكل قادرون على الإتيان بمثله، وإنما تأخروا عنه


(١) - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: (٥/ ٤٢٩).
(٢) المرجع السابق نفسه: (٥/ ٤٣١)
(٣) - المرجع السابق: (٥/ ١١٧).

<<  <   >  >>