للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فَحُقَّ لمَن عَلَّمَهُ اللهُ كتابه أن يكون أولَ من ينتهي عن نواهيه، ويعتبر بعبرهِ وينزجرَ عما ورد فيهِ، ويخشى اللهَ ربَهُ ويتّقيهِ، ويراقبه في خلوته وجلوته ويُعَظِمَهُ ويستحييه. فإنه قد حُمِّل ميراثَ الأنبياءِ، وأصبح ممن يشهد في عرصات أرض المحشر على مخالفي الرسل من سائر أهل الملل الأشقياءِ؛ كما قال رب الأرض والسماء: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) (البقرة: ١٤٣).

ألا وإنّ حجةُ الله قائمةٌ على من عَلِمَهُ فأهملَهُ، وهى أشد منها على من جَهِلَهُ فلم يعه ويفهمَهُ، وكذلك هي أنكى على من أوتي القرآنَ فلم تقرعه زواجره ونواهيه، ولم يرتدع به ويَؤُوبُ إلى ربه فيأويه، ولم يرفع به رأسًا ولم ينتفع به فيهديه؛ وارتكب من الذنوب والمآثم كل قبيحٍ لا يحبه ربّه ولا يرتضيِهِ، ومن الجرائم كل فضوحٍ مما يؤلمه ويؤذيه؛ فأضحى ما حمله من القرآن حجةً عليه، وخَصْمًا له يوم الحساب لديه وبين يديه، كما قال رسول الله الذي هو أرأف وأرحم به من أبويه - صلوات الله وسلامه عليه-: "الْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ" (١).

فحُقَ لمَن خَصّه الله بعلم كتابه أن يقوم بحقه ويتلوَه حق تلاوته، ويتدبّر حقائق عبارته وآياته؛ ويتفهّم في عجائبه، ويتبيّن من غرائبه؛ وقد بيّن ربنا بقوله في آياته: (كِتَاب أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَك ليَدَّبَّرُوا ءَايَاتِهِ) (ص: ٢٩).

[قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت: ٧٢٥ هـ) -رحمه الله-]

" أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ؛ فَإِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ الْحَقَّ وَأَبْغَضَهُ، وَعَادَاهُ: كَانَ مُسْتَحِقًّا مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَعِقَابِهِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ". (٢)

[وقال ابن القيم (ت: ٧٥١ هـ) -رحمه الله-]

" فَهَذَا جَهله كَانَ خيرًا لَهُ، وأخفَ لعذابه من علمه، فَمَا زَاده الْعلم إِلَّا وبالًا وَعَذَابًا، وَهَذَا لَا مطمع فِي صَلَاحه، فَإِن التائه عَن الطَّرِيق يُرْجَى لَهُ الْعود إليها، إِذا أبصرها، فَإِذا عرفهَا وحاد عَنْهَا عمدًا؛ فَمَتَى ترجى هدايته؟ قَالَ تَعَالَى:

(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (آل عمران: ٨٦) ". (٣)


(١) -صحيح مسلم، من حديث أَبِى مَالِكٍ الأَشْعَرِي - رضي الله عنه: رقم: ٥٥٦ - (ج ١/ ص ١٤٠) باب فضل الوضوء.
(٢) - مجموع الفتاوى: (٧/ ٥٨٦).
(٣) مفتاح دار السعادة: (١/ ١١٥).

<<  <   >  >>