للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

والعجز عن الإتيان بحديث مثله هو العجز نفسه عن الإتيان بسورة منه، وهو العجز نفسه عن الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، والجذم بترتيب آيات التحدي من الكثرة إلى القلة لا يؤثر في كون العجز عن الإتيان بسورة أو عشر سور أو بمثله كله محال، وذلك لأن التحدي قائمًا عن الإتيان بالقرآن نفسه لا عن الإتيان بمقدار منه فحسب.

[عرض الأقوال الواردة في مقدار المعجز من القرآن الكريم ومناقشتها]

ومما يتصل بالحديث حديث عن القدر المعجز من القرآن الكريم، فقد وقع في هذا القدر خلافًا أيضًا على أقوال هي:

القول الأول:

أن الإعجاز متعلق بجميع القرآن لا ببعضه وهذا القول مردود بالآيات التي تتحدى بعشر سور وبسورة واحدة أو حديث مثله.

القول الثاني:

أن الإعجاز متعلق بسورة تامة طويلة أو قصيرة وهذا رأي الجمهور، وزاد بعضهم أنه يتعلق أيضًا بقدر سورة تامة (١) من الكلام بحيث يظهر به تفاضل قوى البلاغة، وأقصر سورة في القرآن هي سورة الكوثر ثلاث آيات فيكون مقدار هذه السورة من الآيات معجز.

القول الثالث:

أن الإعجاز يتعلق بقليل القرآن وكثيره لقوله تعالى: (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (الطور: ٣٤) والتحدي بجنس القرآن لا بالمقدار كما مر بنا بيانه، وهذا هو الراجح، والله أعلم. (٢)

غير أن التحدي بكلمة لم يقع، وقد مر بنا مناقشته، والحمد لله.

[وفي نحو هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ت: ٧٢٥ هـ)]

"وَالْقُرْآنُ نَفْسُهُ فِيهِ تَحَدِّي الْأُمَمِ بِالْمُعَارَضَةِ، وَالتَّحَدِّي هُوَ أَنْ يَحْدُوَهُمْ: أَيْ يَدْعُوَهُمْ فَيَبْعَثُهُمْ إِلَى أَنْ يُعَارِضُوهُ، فَيُقَالُ فِيهِ: حَدَانِي عَلَى هَذَا الْأَمْرِ: أَيْ بَعَثَنِي عَلَيْهِ، وَمِنْهُ سُمِّي حَادِي الْعِيسِ؛ لِأَنَّهُ بِحِدَاهُ يَبْعَثُهَا عَلَى السَّيْرِ.

وَقَدْ يُرِيدُ بَعْضُ النَّاسِ بِالتَّحَدِّي دَعْوَى النُّبُوَّةِ، وَلَكِنَّهُ أَصْلُهُ الْأَوَّلُ، قَالَ تَعَالَى: فِي سُورَةِ الطُّورِ: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) [الطور: ٣٣].


(١) -إعجاز القرآن: الباقلاني ص ٢٦١.
(٢) -دراسات في علوم القرآن - فهد الرومي: (١/ ٢٧٢). بتصرف يسير

<<  <   >  >>