للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الوقفة الرابعة: بيان أن الأحرف السبعة وحيٌ وقرآنٌ منزل من عند الله تعالى

لقد مر معنا ذكر ذلك وبيانه كثيرًا في ثنايا البحث في غير ما موضع، ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. (١).

فدل هذا الحديث كما دل ما في معناه من الأحاديث الواردة في هذا الشأن على ما يلي:

أولًا: أن الأحرف السبعة كلها من القرآن الذي أوحاه الله تبارك وتعالى إلى النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الأمين جبريل عليه السلام، فكان جبريل عليه السلام يقرأ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصغي ويستمع حتى ينتهي جبريل، فيعيد قراءة ما سمعه منه قبل أن ينصرف عنه فيحفظه، وتلك الطريقة هي المتبعة في كل ما تلقَّاه من الوحي ويؤيد هذا قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)) (القيامة: ١٦ - ١٩)، ولا شك في أن هذا عام في كل ما تلقَّاه رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام.

ثانيًا: أن من قرأ بحرف من الأحرف السبعة، فإنما يقرأ قرأنًا منزلًا ويتلو وحيًا من عند الله تعالى، وقد أصاب بذلك الصواب أيَّاً كان ذلك الحرف المقروء به، كما دل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لكل من عمر وهشام لما قرأ كل منهما بحرف مخالف للآخر من سورة الفرقان: "هَكَذا أُنْزِلَت. ثمَّ قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إنَّ القرآنَ أُنزِلَ علَى سَبعةِ أحرُفٍ". (٢)

وكما دل عليه كذلك قول جبريل عليه السلام لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ أُمَّتُكَ القُرْآنَ علَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فأيُّما حَرْفٍ قَرَؤُوا عليه فقَدْ أَصَابُوا. " (٣).

فهذا الحديث يدل كذلك على أن أيّ حَرفٍ قَرَؤوا عليه، فَقدْ أصابوا الحق، ووافَقُوا الصَّوابَ.

وفي نحو ذلك يقول أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ: (ت: ٤٤٤ هـ) - رحمه الله -:

جميع هذه السبعة أحرف قد كانت ظهرت واستفاضت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضبطتها الأمة على اختلافها عنه، وتلقيها منه. (٤)

ثالثًا: أنه لا فرق بين هذه الأحرف في الفضل والقدر والمنزلة، لأنه لم يخرج بأي حرف قرئ به منها عن كونه من الوحي المنزل بلسان عربي مبين.


(١) روى البخاري (٣٢١٩)، ومسلم (٨١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٢٤١٩)، ومسلم (٨١٨)، وأبو داود (١٤٧٥)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (٩٣٦) واللفظ له، وأحمد (١٥٨).
(٣) رواه مسلم من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه برقم: (٨٢١).
(٤) - جامع البيان، لأبي عمرو الداني: (١/ ٦٧).

<<  <   >  >>