للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

حتى أضحوا وقد خطأ بعضهم البعض حتى إن كان الواحد من هؤلاء ليقول هذه قراءة فلان وهذه قراءة فلان، حتى كادت أن تقع بينهم فتنة عظيمة لولا أن الله تعالى الذي وعد بحفظ كتابه وتولى ذلك بذاته العلية ولم يكِل ذلك لأحد من خلقه لطف بهم سبحانه وتعالى وبكتابه كما ورد وعده بذلك في قوله سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر: ٩).

ثانيًا: بيان بواعث وأهم أسباب ودواعي هذا الجمع

لما وقع الخلاف وخطأ بعض المتعلمين بعضهم بعضًا بسبب اختلاف أوجه القراءة كما مر معنا، وقد وقف حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- على هذا الخلاف بنفسه في فتوحات أرمينية وأذربيجان بين جندي العراق والشام فأفزعه ما رأى وتحقق من خطورة الأمر بنفسه وانتبه له-

رضي الله عنه -وهو صاحب رأي حاذق وبصيرة نافذة، لما لا وهو صاحب سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن المنافقين-، فقد رأى أمرًا جللًا وخطرًا عظيمًا يحدق بكتاب الله تعالى؛ فهاله ما رأى فعزم على سد تلك الثلمة وإخماد نار تلك الفتنة قبل تطاير شرارها، وإيصاد بابها قبل انفتاحه في وجه الأمة، فعزم على التوجه إلى خليفة المسلمين لإبلاغه واطلاعه على هذا الأمر الجلل فركب إلى المدينة ليخبر عثمان- رضي الله عنه- بالأمر الذي رآه وهاله وأشار عليه في أن يتدارك الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأجاب عثمان- رضي الله عنه- نداء حذيفة - رضي الله عنه- في تدارك الأمر وعزم على جمع الأمة على مصحف واحد إمام يجتمع عليه المسلمون.

وقد أخرج البخاري-رحمه الله- هذه الواقعة في صحيحه من حديث أنس بن مالك-رضي الله عنه-أن حذيفة بن اليمان- رضي الله عنه- قدِمَ على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزَعَ حذيفةَ اختلافُهم في القراءة، فقالَ حذيفةُ لعثمان: " يا أميرَ المؤمنينَ أدركْ هذه الأمةَ قبلَ أن يختلِفُوا في الكتابِ اختلافَ اليهودِ والنصارى". فأرْسَلَ عثمان إلى حفصة- رضي الله عنها- أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخُها في المصاحفِ ثم نردُّها

إليكِ. فأرسلتْ بها حفصة إلى عثمان، فأمَرَ زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. (١)

قال ابن أبي داود -رحمه الله- (ت: ٣١٦ هـ) في كتاب "المصاحف":


(١) - البخاري، فضائل القرآن، رقم: ٤٦٠٤، الترمذي، أبواب تفسير القرآن، برقم: ٣٠٢٩، وانظر كتاب المصاحف: ١/ ٢٠٤، والفتح لابن حجر: ٩/ ١١.

<<  <   >  >>