للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ومما لاشك فيه أبدًا أن الترتيب المصحفي هو ما استقرت عليه العرضة الأخيرة الموافقة لما هو مثبت في اللوح المحفوظ عند رب العزة في كتاب مكنون وقد مر بنا ذكر ذلك الأمر تكرارًا ومرارًا، والقرآن أنزل جملة على هذا الوضع وتلك الحالة التي استقر عليها إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نُجِّمَ بعد ذلك حسب الأحداث والوقائع.

وهذا الذي يعنيه الدكتور محمد عبد الله دراز- رحمه الله - في كتابه- النبأ العظيم- بقول:

"لئن كان جمع عن تفريق، فقد فرّق عن جمع". (١)

ثم إن علماء المناسبات استخرجوا للأمة دررًا من المناسبات بين الآيات والسورة مع إن الكثير منها تنزل منجم الآيات ولم يتنزل دفعة واحدة، بل إن السورة الواحدة قد تنزل آيات منها متقدمة وتكون في أواسط السورة أو في أواخرها وخواتيمها، وقد ينزل صدر السور متأخرًا عن خاتمتها والعكس من ذلك كذلك، وأنت تجد ذلك متحققًا في أطول سور القرآن ألا وهي سور البقرة وهي من أوائل القرآن المدني نزولًا، أليس كذلك؟، فهل نزلة جملة أم نجومًا نجومًا؟

الجواب يأتي في جواب أئمة التفسير عن آخر ما نزل من القرآن، فإن أكثرهم على أن آخر آية نزولًا هي قوله تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) (البقرة: ٢٨١)

وهو مروي عن جمع من السلف، منهم: ابْن عَبَّاسٍ، أَبِي سَعِيد الخدريٍ، عِكْرِمَةَ، سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كما أنه اختيار جمع من المتأخرين كذلك.

وفي ذلك يقول الحافظ (ت: ٨٥٢ هـ) في الفتح- رحمه الله -:

أصحّ الْأَقْوَالِ فِي آخِرِيَّةِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله) (البقرة من آية: ٢٨١). (٢)

ومع ذلك كله ترى الترابط النصي والوحدة الموضوعية وأغراض السورة مترابطة متناسقة وكأنها سبيكة واحدة ترابطًا ومعنى، وبلاغة وإعجازًا ولا تشعر أبدًا حين تأملك لها وتدبرك في آياتها أنها نزلت منجمة، وقد يكون بين ذلك التنجيم أزمانًا متباعدة.

وأخيرًا فهل تحققت الأهداف التي رامها مُفْتَتِحُو هذا الباب:

أولًا: لم تتحقق تلك الأهداف كما مر معنا، وكيف تتحقق في أمر عظيم جلل أجمع عليه جماهير العلماء سلفًا وخلفًا وقد خرقوا هذا الإجماع.

ثانيًا: كيف تتحقق تلك الأهداف ولم تقترن بأي مبررات مقنعة أو أي معالم ظاهرة أو حجج دامغة وبراهين ساطعة وأجوبة مسكتة.


(١) يُنظر: النبأ العظيم: (ص: ١٥٤).
(٢) فتح الباري: (٨/ ٣١٧).

<<  <   >  >>