للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

لا يرتدّ، ونعيمًا لا يَنْفد، ومرافقة محمد في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر-رضي الله- عنه فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال: يرحم الله أبا بكر، ما سبقته إلى خير قط، إلا سبقني إليه". (١)

ولقد تلقى جيل الصحابة - رضوان الله عليهم - القرآن غضًا طريًا من فِيِ رسول الله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فكانوا يسارعون ويسابقون لكتابته في السطور، وحفظه في الصدور، ومن ثَمَّ

تلقي ما أُشكل عليهم من فهم معانيه، ثم حرصوا-رضوان الله عليهم- على العمل بما تعلموه، ومن ثَمَّ ينقلوا ما تعلموه وتدارسوه، كما كان يفعل أهل الصفة، كانوا يحتطبون بالنهار ويتدارسوا القرآن بالليل، وتلك سمة بارزة تميز بها جيل الصحابة-رضوان الله عليهم-.

تنافس الصحابة -رضي الله عنهم- في حفظ القُرْآن

"كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتنافسون في حفظ القُرْآن، ويتسابقون إلى مدارسته وتفهُّمه، ويتفاضلون فيما بينهم على مقدار ما يحفظون منه، وكانوا يهجرون لذة النوم وراحة الهجود إيثارًا للذة القيام به في الليل والتلاوة له في الأسحار والصلاة به والناس نيام، حتى لقد كان الذي يمر ببيوت الصحابة في غسق الدجى يسمع فيها دويًّا كدوي النحل بالقُرْآن، وكان الرسول-صلى الله عليه وسلم- يُذْكي فيهم روح العناية بالتنزيل، يبلغهم ما أنزل إليه من ربه، ويبعث إلى من كان بعيد الدار منهم من يعلِّمهم ويُقرِئهم، كما بعث مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى أهل المدينة قبل هجرته يعلِّمانِهم الإسلام ويقرئانهم القُرْآن، وكما أرسل معاذ بن جبل إلى مكة بعد هجرته للتحفيظ والإقراء؛ " (٢).

[مشاهد من همة الصحابة -رضي الله عنهم- في القيام بحق القرآن]

وإذا أردنا نتأمل ونطالع الهمة العالية عند شباب الصحابة وتنافسهم في هذا الميدان الفسيح فلننظر ونتدبر ما ثبت عند النسائي وغيره من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: جمعت القُرْآن، فقرأت به في كل ليلة، فبلغ ذلك النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال لي: ((اقرأ به في كل شهر) فقلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: ((اقرأ به في كل عشرين) قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فقال: ((اقرأ به في كل عشر) قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، قال: ((اقرأ به في كل سبع) قلت: أي رسول الله، دعني أستمتع من قوتي وشبابي، فأبى؛ (٣)


(١) - مسند الإمام أحمد ٧/ ٣٥٩ رقم ٤٣٤٠. وقال شعيب الأرناؤوط ومن معه: " صحيح بشواهده، وهذا إسناد حسن ". وحسّنه الألباني في السلسلة الصحيحة ٥/ ٣٧٩ رقم ٢٣٠١.
(٢) -مناهل العرفان للزرقاني (١/ ٢٤١).
(٣) -فتح الباري لابن حجر العسقلاني (٨/ ٦٦٨)، وأصل الحديث أخرجه ابن ماجة في كتاب إقامة الصلاة، باب في كم يستحب يختم القرآن، سنن ابن ماجة ج ١ - ص ٤٢٨، واللفظ له، وأحمد (٦٨٧٣)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٠٦٤)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه: (١١١٤). وقد سبق تخريجه في مطلع هذا الفصل، عند المطلب الثاني: مفهوم الجمع في الاصطلاح.

<<  <   >  >>