للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

الصفات، كما أن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تُعدُّ موردًا من موارد الفكر الاعتزالي؛ إذ إنه كان يقول بالأصلح، ونفي الصفات الأزلية وحرية الإرادة الإنسانية.

رابعًا: بروزها

وقد برزت المعتزلة بعد ذلك كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الذي كان تلميذًا للحسن البصري، وذلك عندما دخل رجل على الحسن البصري فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعة يكفِّرون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم كفر يخرج به عن الملة، وهم وعيدية الخوارج، وجماعة يرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرة عندهم لا تضر مع الإيمان، بل العمل على مذهبهم

ليس ركنًا من الإيمان، ولا يضر مع الإيمان معصية، كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقادًا؟

فتفكر الحسن في ذلك وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء (١): أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمن مطلقًا ولا كافر مطلقًا، بل هو في منزلة بين المنزلتين، لا مؤمن ولا كافر. ثم قام واعتزل إلى أسطوانة من أسطوانات المسجد، يقرر ما أجاب على جماعة من أصحاب الحسن، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل؛ فسمي هو وأصحابه معتزلة. ولأجل هذا سمَّاهم المسلمون معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها.

وكان علماء التابعين في ذلك العصر مع أكثر الأمة يقولون: إن صاحب الكبيرة من أمة الإسلام مؤمن؛ لما فيه من معرفته بالرسل والكتب المنزلة من الله تعالى، ولمعرفته بأن ما جاء من عند الله حق، ولكنه فاسق بكبيرته، وفسقه لا ينفي عنه اسم الإيمان والإسلام، وعلى هذا القول مضى سلف الأمة من الصحابة وأعلام التابعين.

خامسًا: انتشارها

ولقد "انتشرت حركة الاعتزال في أنحاء الممالك الإسلامية واستقطبت شخصيات بارزة، أمثال: واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وأبي الهذيل العلاف، وإبراهيم النَّظام وغيرهم، وقد كان لهذه الشخصيات تأثير بعيد المدى في مختلف ميادين الحياة العقلية، فنظرية المعرفة عندهم كانت تستند على العقل، كونهم أطلقوا العنان للعقل في البحث في جميع المسائل من غير أن يحده أي حد، وجعلوا له الحق في أن يبحث في السماء، وفي الأرض، وفي ذات الله تعالى، وفي الإنسان، وفيما دق وجل. " (٢)


(١) - واصل بن عطاء الغزَّال، البصري المتكلم، كبير المعتزلة، ولد سنة (٨٠ هـ) ومات سنة (١٣١ هـ)، كان تلميذًا للحسن البصري فحصل خلاف بينه وبين شيخه الحسن البصري، فطرده من مجلسه.
(٢) - ضحى الإسلام - أحمد أمين: (٣/ ٨٦). بتصرف.
والكاتب "أحمد أمين" -هذا- أحد رؤوس العصرانيين " العقلانيين " في عصرنا، ممن عظموا العقل حتى ردوا به أحاديث المعصوم-صلى الله عليه وسلم-، وانتصروا للمعتزلة ضد أهل السنة - وطالع ما يقول عنه ولده جلال في مذكراته: (ص ٣٠٣ - ٣٠٤) يتبين لك أمر الرجل.

<<  <   >  >>