للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثانيًا: الجواب عن كل أثرٍ على حدة

جواب الأثر الأول: أن الرواية الواردة عن عائشة في ذلك ضعيفة لا تثبت: (١) قال أبو حيان في قوله تعالى: (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ): وذُكِر عن عائشة وأبان بن عثمان أنَّ كَتْبَهَا بالياء من خطأ كاتب

المصحف، ولا يصح عنهما ذلك؛ لأنَّهما عربيان فصيحان، وقطع النعوت مشهورٌ في لسان العرب. (٢)

وقال الزمخشري: (ت: ٥٣٨ هـ):

ولا نلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحنًا في خط المصحف، وربَّما التفت إليه من لم ينظر في الكتاب، (٣) ولم يعرف مذاهب العرب، وما لهم في النصب على الاختصاص من الافتنان، وخفي عليه أن السابقين الأولين، الذين مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، كانوا أبعد همةً في الغيرة على الإسلام، وذبِّ الْمطاعن عنه، من أن يتركوا في كتاب الله ثُلمةً يسدها من بعدهم، وخرقًا يَرْفُوهُ من يلحق بِهم. (٤)

أنه مِمَّا يدل على ضعف الرواية عن عائشة -رضي الله عنها- في تخطئة الكاتب في رسم (إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ) (طه من آية: ٦٣) أن المصاحف العثمانية اتفقت على رسم (هذان) بغير ألف، ولا

ياء، (٥) ليحتمل أوجه القراءة المختلفة فيها، وإذًا فلا يُعقل أن يُقال أخطأ الكاتب، فإن الكاتب لم يكتب ألفًا ولا ياءً. ولو كان هناك خطأٌ تعتقده عائشة- رضي الله عنها- ما كانت لتنسبه إلى الكاتب، بل كانت تنسبه إلى من قرأ بالتشديد في (إنَّ) مع القراءة بالألف في (هذان). (٦)

أنه لم ينقل عن عائشة تخطئة من قرأ: (وَالصَّابِئُونَ) (المائدة من آية: ٦٩) بالواو، ولم ينقل عنها أنَّها كانت تقرؤها بالياء، فلا يعقل أن تكون خطَّأت من كتبها بالواو. (٧) أننا إذا سلَّمنا بصحة هذا


(١) - مرَّ بنا أن السيوطي -رحمه الله- قال في الإتقان (٢/ ٢٦٩): صحيحٌ على شرط الشيخين. ولا يخفى أن صحة السند لا تكفي ليصح الحديث، إذ يشترط إلى ذلك سلامة الحديث متنًا وسندًا من العلة القادحة، يُنظر: نزهة النظر في شرح نخبة الفكر ص ٢٩، ولا يخفى أن متن هذه الرواية فيه عدد من العلل، منها هذه، وهي الطعن في فصاحة الصحابة ومعرفتهم بوجوه كلام العرب، والعلة الثانية التي تأتي في الجواب التالي، وهي أنه في قوله تعالى: (إن هذان) لم يكتب الكاتب ألفًا ولا ياءً حتى ينسب إليه خطأٌ في ذلك، وهذا كافٍ -إن شاء الله- في إثبات ضعف هذه الرواية.
(٢) - تفسير البحر المحيط (٣/ ٤١١).
(٣) قال أبو حيان: يريد كتاب سيبويه -رحمه الله. البحر المحيط (٣/ ٤١٢).
(٤) - الكشاف (١/ ٥٩٠)، وانظر تفسير البحر المحيط (٣/ ٤١١ - ٤١٢).
(٥) يُنظر: المقنع في معرفة مرسوم مصاحف أهل الأمصار ص ١٥، وإتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربع عشر ص ٣٠٤.
(٦) مناهل العرفان (١/ ٣٩٣).
(٧) - مناهل العرفان (١/ ٣٩٤).

<<  <   >  >>