للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ثانيًا: انتشار الصحابة في الأمصار لتعليم القرآن زمن الفتوحات

وأما عهد الخليفة الراشد ذي النورين-عثمان بن عفان- رضي الله عنه- فقد اتسعت فيه الفتوحات الإسلامية وترامت أطراف الدولة بصورة عظيمة كبيرة ليس لها مثيل من ذي قبل كما مر معنا، ونتج عن إثر ذلك اتساع في العمران وتفرق المسلمين في تلك الأقطار التي فتحوها، وانتشر الصحابة في تلك الأقطار فاتحين للبلاد، داعين ومعلمين للعباد، فانتشروا يقرؤون القرآن ويعلمون الناس آي التنزيل، وانتشر بينهم من معلمي القرآن الكريم أجيال، وكان من هذه الأجيال من تتلمذ على أيدي الصحابة الذين ابتعثهم أمير المؤمنين عمر في الأقطار الإسلامية من قبل لتعليم القرآن، وكان أهل كل إقليم من تلك الأقاليم يأخذون القرآن ويتعلمونه بقراءة من اشتهر بينهم من قراء الصحابة ومعلميهم.

فأهل الشام يقرءون بقراءة أبي بن كعب، وقراءة أبي الدرداء، إلى أن بعث إليهم عثمان- بعد انتهائه من إنفاذا المصاحف إلى الأمصار- بالمصحف الشامي مع المغيرة بن أبي شهاب، وأهل الكوفة

يقرءون بقراءة عبد الله بن مسعود، وأهل البصرة يقرأون بقراءة أبي موسى الأشعري، وكان لهؤلاء الأعلام أثراً بالغًا الإقراء في تلك الأقطار.

وكان كل صحابي يقرئ أهل الإقليم الذي حل فيه بالقراءة والحرف الذي تلقاه فِيِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فكان في قراءتهم من التباين والاختلاف في حروف الأداء ووجوه القراءة بحسب ما تلقى كل منهم، والمتعلمون يومئذ لا يعلمون أن القرآن الكريم نزل على سبعة أحرف تسهيلًا وتيسيرًا على الأمة، ولا يعلمون كذلك أن أي حرف قرئ به من تلك الحروف فهو شاف كاف، ومن جراء ذلك فُتِحَ بابُ الشقاق والتنازع في قراءة القرآن بسبب تلك الحروف المتغايرة والمتباينة بين معلم وآخر، والناس يومئذ ليس بين أيديهم أي مصحف جامع مكتوب يرجعون إليه حين الاختلاف في تلك الأحرف، فنتج من جراء ذلك الشقاق والخلاف بسبب اختلاف تلك الحروف وأوجه الأداء.

فهدى الله الخليفة الراشد- عثمان- لتدارك الأمر فشرح صدره وهدى قلبه وأنار بصيرته وأرشده إلى رأي سديد وعمل صالح رشيد يتدارك به هذا الأمر الجلل ليئد به تلك الفتنة وهي في مهدها، ويستأصل الداء من أصله قبل انتشاره، فجمع أهل الرأي والمشورة من أعلام الصحابة وأكابرهم وأهل الرأي والبصيرة فيهم من المهاجرين والأنصار ليستشيرهم ويعرض عليهم ما عزم عليه من وضع حد لهذا الاختلاف والتنازع ليحسم به مادة هذا النزاع ويستأصل شأفتها من جذورها فيجمع

الأمة على مصحف إمام ويأمر الناس في جميع الأمصار بتحريق المصاحف التي بين أيديهم، فوافقوا رأيه وأيدوه وأجمعوا أمرهم جميعًا على ما قرره عثمان.

ثالثًا: القرار الحكيم الراشد من الخليفة الراشد

<<  <   >  >>