للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

[المبحث الأول: المرحلة الأولى: الجمع في العهد النبوي]

وفيه ثلاثة مطالب:

[المطلب الأول: بواعثه وأسبابه ودواعيه]

قد مر معنا في المبحث الأول من الفصل الأول بيان معنى الجمع ومفهومه في اللغة والاصطلاح فلا يناسب تكراره ها هنا وليرجع إليه عند الحاجة في مظان ذكره.

[جمع القرآن الكريم وترتيبه في العهد النبوي]

كان القرآن الكريم يتنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بواسطة الأمين جبريل -عليه السلام- وكان- صلى الله عليه وسلم- يسارع في تلقيه من فِيِ جبريل ليحفظه وقد مر بنا سلفًا مدى كانت معالجته أشد المعالجة حال تلقيه القرآن، ومدى عنايته بضبطه وحفظ في صدره.

وكان ترتيبه في هذا العهد المبارك يتمثل في سلوك واتباع منهجين اثنين ألا وهما:

[المنهج الأول: حفظه في الصدور]

المنهج الثاني: حفظه في السطور

أما عن المنهج الأول: حفظه في الصدور

فإن من أبرز خصائص القرآن الكريم أن حفظه كله من فروض الكفاية في حق هذه الأمة بحيث يحفظه العدد الوفير الذي يتحقق بهم التواتر الذي يفيد القطع واليقين على الوضع الذي هو عليه

من سلامته من الزيادة والنقصان والتحريف والتغير والتبديل، وبهذا الترتيب المصحفي الذي استقرت عليه المصاحف العثمانية وأجمع عليه الصحابة الكرام- رضي الله عنهم- بلا معارض وهو ما يُعد إجماعًا سكوتيًا، وهو الذي استقرت عليه العرضة الأخيرة، فإن لم يوجد من أفراد عموم الأمة العدد الكثير الذي يحفظه ويثبت به التواتر أثمت الأمة جميعًا، وإن قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.

والقرآن الكريم لا يكتفى في تثبيت حفظه أن يُكتب في صحائف فحسب، وإنما محله حفظه الصدور والقلوب أولًا، ثم يُضم إلى الحفظ في الصدور كتابته في الصحف والسطور ليزداد حفظه توثيقًا وتأكيدًا ولتطمئن نفوس أهل الإيمان بحفظه بتلك الوسيلتين مجتمعتين جميعًا.

و"النبي - صلى الله عليه وسلم- قد بلغ من حرصه على استظهار القرآن وحفظه أنه كان يحرك لسانه فيه في أشد حالات حرجه وشدته وهو يعاني ما يعانيه من الوحي وسطوته وجبريل في هبوطه عليه بقوته. يفعل الرسول- صلى الله عليه وسلم- كل ذلك استعجالًا لحفظه وجمعه في قلبه مخافة أن تفوته كلمة أو يفلت منه حرف. وما زال- صلى الله عليه وسلم- كذلك حتى طمأنه ربه بأن وعده أن يجمعه له في صدره وأن يسهل له قراءة لفظه وفهم معناه فقال له في سورة القيامة: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة:

<<  <   >  >>