للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يسيرة كانت أنقض لقوله، وأفسد لأمره، وأبلغ في تكذيبه وأسرع في تفريق أتباعه من بذل النفوس، والخروج من الأوطان، وإنفاق الأموال.

وهذا من جليل التدبير الذي لا يخفى على من هو دون قريش والعرب في الرأي والعقل بطبقات، ولهم القصيد العجيب، والرجز الفاخر، والخطب الطوال البليغة، والقصار الموجزة، ولهم الأسجاع والمزدوج واللفظ المنثور.

ثم يتحدى به أقصاهم بعد أن أظهر عجز أدناهم، فمحال - أكرمك الله - أن يجتمع هؤلاء كلهم على الغلط في الأمر الظاهر، والخطأ المكشوف البين مع التقريع بالنقص، والتوقيف على العجز، وهم أشد الخلق أنفة، وأكثرهم مفاخرة، والكلام سيد عملهم، وقد احتاجوا إليه والحاجة تبعث على الحيلة في الأمر الغامض، فكيف بالظاهر، وكما أنه محال أن يطبقوا ثلاثًا وعشرين سنة على الغلط في الأمر الجليل المنفعة، فكذلك محال أن يتركوه، وهم يعرفونه ويجدون السبيل إليه وهم يبذلون أكثر ". (١).

وإن كان التحدي باقيًا إلى قيام الساعة، فإن العرب وهم أهل الفصاحة والبيان عجزوا مع توفر كامل دواعي التحدي.

"وعجز العرب عن معارضة القرآن مع توفر الدواعي عجز للغة العربية في ريعان شبابها، وعنفوان قوتها والإعجاز لسائر الأمم على مر العصور ظل ولا يزال في موقف التحدي شامخ الأنف، فأسرار الكون التي يكشف عنها العلم الحديث ما هي إلا مظاهر للحقائق العليا التي ينطوي عليها سر هذا الوجود في خالقه ومدبره، وهذا ما أُجْمِلِ في القرآن، أو أُشِيِرَ إليه فيه، فصار القرآن بهذا معجزًا للإنسانية كافة". (٢)

[يقول وحيد الدين خان -رحمه الله-: (ت: ١٣٤٣ - ١٣٤٤ هـ)]

" إنه أغرب تحدٍ في التاريخ وأكثره إثارة للدهشة .. فلم يجرؤ احدٌ من الكُتّاب في التاريخ الإنساني - وهو بكامل عقله - أن يقدِّم تحدِّيًا مماثلًا .. فليس هناك مؤلِّف يمكنُ أن يضعَ كتابًا يستحيلُ على الآخَرين أن يكتُبوا مثلَه أو خيرًا منه .. فمن الممكن إصدارُ مثيلٍ من أي عمل إِنساني في أي مجال، ولكن حين يُدّعىَ أن هناك كلامًا ليس في إمكان البشر الإِتيان بمثله .. ثم تخفق البشرية على مدى


(١) - يُنظر: الإتقان: (٢/ ٢٤٠).
(٢) - مباحث في علوم القرآن- مناع القطان- ص ٢٧٤. بتصرف يسير في بعض الألفاظ

<<  <   >  >>