للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ابن عباس، ومجاهد، (لدينا) أي: عندنا، قاله قتادة وغير، (لَعَلِيٌّ) أي: ذو مكانة عظيمة وشرف وفضل، قاله قتادة: (حكيم)

أي: محكم بريء من اللبس والزيغ. وهذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال:

(إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ تَنزيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الواقعة: ٧٧ - ٨٠). وقال: (كَلا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ) (عبس: ١١ - ١٦) ". (١)

قد مر معنا آنفًا بيان قول القرطبي في أوجه الإعجاز العشرة، والحقيقة أنه يصعب جدًا حصرها، لكنه ذكر أبرزها وأبينها.

غير أن المعتزلة ومن سلك سبيلهم واقتفى آثارهم من بعض متقدمي الأشاعرة وغيرهم أيضًا قد أضافوا وجهًا آخر للإعجاز، ظنوه من الإعجاز وما هو من الإعجاز في شيء، وإنهم بقولهم هذا قد زعموا أن إعجاز القرآن أمرًا خارجًا عنه وليس إعجازًا ذاتيًا فيه، ولا شك أبدًا في بطلان قولهم

جملة وتفصيلًا، ولقد ناقشه أهل العلم وفندوه وردوه ودحضوا شبهته ونسفوه بمنجنيق الأدلة ألا وهو "القول بالصَّرْفة".

وبما أن الكلام هنا عن الإعجاز والتحدي فإن مما يَجدُر بنا بحثه ومدارسته ومناقشته ها هنا بشيء من الإيضاح والتفصيل أيضًا-"القول بالصَّرْفة"-، ذلك على أن القائلين به يعدونه وجهًا عظيمًا من وجوه الإعجاز.

تمهيد في وقفة مع مناقشة القول بالصَّرْفة

البشر عجزوا ما استطاعوا أن يعارضوا هذا القرآن، ولكن هذا العجز ليس كما يقول المعتزلة إن الله صرفهم عن معارضته، وهذه عقيدة مشهورة قال بها المعتزلة يقال لها "الصَّرْفة"، يقولون إن الله -عز وجل- صرف الناس عن معارضة القرآن فعجزوا، صرف هممهم ودواعيهم فما استطاعوا، لأنه سبحانه صرفهم فزعموا أن الإعجاز إنما هو أن الله صرفهم لا أن القرآن معجز بنفسه.

ولهذا قد اشتغل علماء السنة منذ أن ظهرت هذه البدعة وهذه العقيدة الفاسدة الباطلة بالرد عليها، لأن عقيدة الصَّرْفة عقيدة باطلة ونحن نقول كما قال أهل السنة القرآن لفظًا ومعنى هو دليل الإعجاز وهو دليل التحدي.

فالقول بهذه العقيدة، عقيدة: "الصَّرْفة" يعني أن القرآن في ذاته ليس فيه فضيلة في الامتياز ليس فيه فضيلة في التفوق، ولا شك أن هذا باطل بنصوص القرآن، لأن الله -عز وجل- أخبر في القرآن وفي


(١) - تفسير القرآن العظيم (٧/ ٢١٨

<<  <   >  >>