للانتقال للموقع القديم اضغط هنا

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

ولعل فيما مضى معتبر لأهل البحث والنظر، والحمد لله رب العالمين.

[المطلب الثالث: علاقة الأحرف السبعة بلغات العرب]

عند مناقشة أي بحث له تعلق بالأحرف السبعة لابد من الرجوع لمفهوم تلك الأحرف واستحضارها في الذهن حتى تتجلى تلك العلاقة بصورة جلية واضحة صحيحة، وقد مر معنا ذكر ذلك في ثنايا البحث والتأكيد عليه تكرارًا ومرارًا، وحديث الأحرف السبعة قد ثبتت صحته ونُقِلَ متواترًا بإجماع أهل العلم الثقات، وهو مروي عن نيِّف وعشرين صحابيًا، وقد تتبع بعض أهل العلم طرق هذا الحديث ورواياته، فمنهم من أفرد له مصنفًا مستقلًا كابن الجزري (١)، ومنهم من تتبع طرقه وروايات وضمنها بعض مصنفاته كالإمام ابن كثير في" فضائل القرآن "، ومنهم من تناولها بالشرح والإيضاح والبيان كالحافظ ابن حجر في " فتح الباري" ..

والله أنزل القرآن بلسان عربي مبين كما قال ربنا: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) (الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥). وقوله: "بلسان

عربي مبين" أي: هذا القرآن الذي أنزلناه إليك " أنزلناه "بلسانك العربي الفصيح الكامل الشامل، ليكون بينًا واضحًا ظاهرًا، قاطعَا للعذر، مقيمًا للحجة، دليلا إلى المحجة. (٢) فوصَفه جلّ ثناؤه بأبلغ مَا يوصَف بِهِ الكلام، وهو البيان. (٣)

وقال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف: ٢) أي: إنَّا أنزَلْناه كِتابًا يُقرَأُ بلُغَتِكم- أيُّها العربُ- كي تعلَموا وتفهَموا مَعانيَه. (٤)

وهذه الآيةُ تدُلُّ على أنَّ اللِّسانَ العربيَّ أفصَحُ الألسنةِ وأوسَعُها وأقوَمُها وأعدَلُها؛ لأنَّ مِن المقَرَّرِ أنَّ القولَ- وإن خُصَّ بخِطابِه قومٌ- يكونُ عامًّا لِمَن سِواهم. (٥)

وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس; فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان


(١) - يُنظر: النشر في القراءات العشر، لابن الجزري: (١/ ٢٨).
(٢) - تفسير ابن كثير: (٢/ ٥٩٤).
(٣) كتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها، باب القول فِي أن لغة العرب أفضلُ اللغات وأوسعُها، لابن فارس: (ص: ١٩).
(٤) يُنظر: تفسير ابن جرير: (١٣/ ٦)، تفسير القرطبي: (٩/ ١١٩)، تفسير السعدي: (ص: ٣٩٣)، تفسير ابن عاشور: (١٢/ ٢٠١).
(٥) - يُنظر: نظم الدرر، للبقاعي: (١٠/ ٦).

<<  <   >  >>